لم يفت الأوان بعد لكي يخلص العالم نفسه في غزة

اشراق العالم 24- متابعات الأخبار العالمية . نترككم مع خبر “لم يفت الأوان بعد لكي يخلص العالم نفسه في غزة
”
في الشهر الماضي، كنت أنتظر سيارة أجرة مشتركة عند دوار النصيرات عندما شاهدت مشهدًا مفجعًا. وبينما كنت واقفاً على جانب الطريق، شعرت بيد صغيرة تسحب ملابسي.
نظرت إلى الأسفل فرأيت فتاة صغيرة، لا يتجاوز عمرها الثامنة من عمرها. كانت حافية القدمين، وقميصها ممزق، وكان شعرها فوضويًا وغير مغسول. كانت عيناها جميلتين، ووجهها يظهر البراءة، لكن الإرهاق واليأس خيما عليها.
وتوسلت: “من فضلك، من فضلك، أعطني شيكلًا واحدًا فقط، بارك الله فيك”.
قبل أن أعطيها المال، قررت أن أتحدث معها. ركعت وسألته: ما اسمك يا عزيزتي؟
فأجابت بصوت خائف: اسمي نور وأنا من الشمال. كان اسمها، الذي يعني “النور” باللغة العربية، يتناقض بشكل صارخ مع الظلام المحيط بها.
فسألتها: لماذا تطلبين المال يا نور؟
نظرت إلي بتردد، ثم همست: “أريد أن أشتري تفاحة… أشتهي واحدة”.
وفي غزة، تبلغ تكلفة التفاحة الواحدة الآن 7 دولارات؛ قبل الحرب كان سعر كيلو التفاح أقل من دولار.
حاولت أن أتجاهل الألم المتصاعد في صدري. فكرت في الظروف التي نواجهها الآن، حيث يضطر الأطفال الصغار إلى التسول في الشارع فقط لشراء تفاحة.
أعطيت نور شيكلًا واحدًا (0.30 دولارًا)، لكن بمجرد أن فعلت ذلك، ساء الوضع. تجمعت حولي مجموعة كبيرة من الأطفال، كلهم في عمر نور أو أصغر، يرددون نفس الطلب. شعرت بضيق شديد.
لقد واجهنا الإبادة الجماعية لأكثر من عامين. لقد شهدنا عدداً لا يحصى من المآسي والأهوال. لكن بالنسبة لي، فإن منظر الأطفال وهم يتسولون في الشوارع أمر لا يطاق بشكل خاص.
قبل الحرب، كانت غزة لا تزال مكاناً فقيراً. كنا نرى الأطفال المتسولين، لكنهم كانوا قليلين، وأغلبهم يتجولون في مناطق قليلة. والآن هم في كل مكان، من الشمال إلى الجنوب.
لقد دمرت حرب الإبادة الجماعية الأسر وسبل العيش في جميع أنحاء غزة. وقد أدت المذبحة إلى تيتم أكثر من 39 ألف طفل، كما حرم الدمار الهائل أكثر من 80% من القوى العاملة من وظائفهم، مما دفع عدداً لا يحصى من الأطفال إلى الفقر المدقع وأجبرهم على التسول من أجل البقاء.
لكن تسول الأطفال ليس مجرد نتيجة للفقر؛ إنها علامة على التفكك العميق الذي يؤثر على الأسرة ونظام التعليم والمجتمع. لا أحد من الوالدين يرسل طفله للتسول لأنه يريد ذلك. لقد تركت الحرب العديد من العائلات في غزة دون خيارات، وفي كثير من الحالات، لا يوجد آباء على قيد الحياة لإبعاد أطفالهم عن الشوارع.
الأطفال المتسولون لا يفقدون طفولتهم فحسب؛ كما أنهم يواجهون الاستغلال والعمل القاسي والأمية والصدمات النفسية التي تترك أثراً دائماً.
كلما زاد عدد الأطفال المتسولين، كلما تضاءل الأمل في هذا الجيل. من الممكن إعادة بناء المنازل، وترميم البنية التحتية، ولكن لا يمكن إعادة تأهيل جيل الشباب المحروم من التعليم والأمل في المستقبل.
لم تكن القوة التي كانت تمتلكها غزة قبل الحرب تتعلق بالقوة العسكرية فحسب؛ كان الأمر يتعلق بالقوة البشرية، التي كان التعليم ركيزتها الأساسية. كان لدينا واحد من أعلى مستويات معرفة القراءة والكتابة في العالم. وبلغ معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي 95 في المائة؛ وفي التعليم العالي وصلت إلى 44 بالمئة.
لقد وقف التعليم كقوة مضادة للحصار المنهك الذي حرم سكان غزة من ممتلكاتهم وأصاب الاقتصاد بالشلل. لقد غذت المهارات والإبداع لدى الأجيال الشابة لمساعدتهم على التغلب على الواقع الاقتصادي القاسي بشكل متزايد. والأهم من ذلك أن التعليم يمنح الأطفال شعوراً بالاتجاه والأمن والفخر.
إن الهجوم المنهجي على نظام التعليم في غزة – تدمير المدارس والجامعات والمكتبات وقتل المعلمين والأساتذة – قد دفع ما كان نظاماً تعليمياً يتسم بالمرونة والفعالية بشكل ملحوظ إلى حافة الهاوية. إن الركيزة التي كانت تحمي الأطفال وتضمن لهم مستقبلاً واضحاً تنهار الآن.
بعد أن خرجت من دوار النصيرات، بقيت عيون نور معي. ولم يكن ذلك فقط بسبب الألم الناتج عن رؤية طفل بريء يُجبر على التسول. وكان ذلك أيضًا بسبب الإدراك الذي أدى إليه هذا اللقاء: أن قدرة الجيل القادم على إعادة بناء غزة ستُسلب يومًا ما.
لقد سمح العالم لإسرائيل بتنفيذ إبادة جماعية في غزة لمدة عامين. لقد كانت تعرف ما يجري، ومع ذلك فقد اختارت التواطؤ والصمت. واليوم، لا يمكنها أن تمحو ذنبها، ولكن يمكنها أن تختار تخليص نفسها. ويمكنها اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لإنقاذ أطفال غزة ومنحهم الحقوق التي تمنحهم إياها اتفاقية حقوق الطفل: الحق في الغذاء والماء والرعاية الصحية والبيئة الآمنة والتعليم والحماية من العنف وسوء المعاملة.
وأي شيء أقل من ذلك يعني استمرار الدعم للإبادة الجماعية البطيئة في غزة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
نشكركم على قراءة خبر “لم يفت الأوان بعد لكي يخلص العالم نفسه في غزة
” من اشراق العالم 24 ونود التنويه بأن الخبر تم اقتباسه آليًا من مصدره الأساسي والمصدر الأساسي هو المعني بصحة الخبر وما يتضمنه.
مصدر الخبر



