ليسوا أذكى منا | سبق
يوضح المقال أن أسطورة “بدأت من الصفر” تبالغ في ربط الثروة بالذكاء والاجتهاد وحدهما، بينما تتجاهل دور الفرصة والتوقيت والبيئة في صناعة النجاح. يفرّق الكاتب بين ثروات تُبنى تدريجيًا على قيمة حقيقية عبر الزمن وثروات سريعة يصنعها ظرف استثنائي أو انتباه جماهيري عابر، مؤكدًا أن كثيرًا من الأثرياء لم ينجحو…
كل جيل يملك أسطورته الخاصة. وفي زمننا الحالي أصبحت أسطورة “بدأت من الصفر” هي الرواية الأكثر تداولًا. نسمعها في البرامج التلفزيونية، ونقرأها في السير الذاتية، ونشاهدها يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي حتى ترسخ في أذهان الكثيرين أن أصحاب الثروات بلغوا ما بلغوه لأنهم كانوا أكثر ذكاءً من غيرهم أو أكثر اجتهادًا من بقية الناس.
لكن الواقع لا يخضع لهذه البساطة.
فالحقيقة التي لا يحب كثيرون الحديث عنها هي أن الثروة لا يصنعها الذكاء وحده، كما أن الفقر ليس دليلًا على نقصه. بينهما عامل بالغ التأثير اسمه “الفرصة”. والفرص، بطبيعتها، لا تتكرر بنفس الصورة لكل الأجيال.
من بنى ثروته قبل ثلاثين أو أربعين عامًا لم يكن بالضرورة أذكى من المستثمر الذي يحاول اليوم أن يسلك الطريق نفسه. الفرق أن الأول دخل إلى أسواق وفرص كانت في بداياتها، حين كان المعروض كبيرًا والطلب محدودًا. اشترى أصولًا لم يكن كثيرون يؤمنون بقيمتها، واستثمر في شركات لم تكن محط الأنظار، ثم جاء الزمن ليرفع الطلب عليها عامًا بعد عام حتى تضاعفت قيمتها مرات عديدة.
لو عاد ذلك المستثمر نفسه إلى يومنا هذا، فهل سيحقق النتائج ذاتها؟ ليس بالضرورة. لأن الظروف التي صنعت تلك الفرص لم تعد موجودة بالصورة نفسها، ولأن الأسواق أصبحت أكثر ازدحامًا، والمعلومات أكثر انتشارًا، والمنافسة أكثر شراسة.
ولهذا السبب فإن الثروات الاستثمارية الحقيقية، خصوصًا في أسواق الأسهم، لا تُولد عادة في لحظة. إنها تُبنى عبر عقود من الزمن. أصحابها لا يحققون قفزات خارقة بقدر ما يستفيدون من تراكم العوائد ومن نمو الشركات ومن زيادة الطلب مع مرور السنوات. الزمن هنا ليس عاملًا مساعدًا فحسب، بل هو أحد أهم الشركاء في صناعة الثروة.
في المقابل، ظهرت في السنوات الأخيرة نماذج مختلفة تمامًا. أشخاص حققوا ثروات كبيرة خلال فترة قصيرة، ثم قُدمت قصصهم على أنها وصفة نجاح يمكن للجميع تكرارها. وعند التدقيق نجد أن كثيرًا من هذه الثروات لم تصنعها خطط اقتصادية معقدة ولا استراتيجيات استثمارية طويلة المدى، بل صنعتها ظروف استثنائية فرضتها المنصات الرقمية.
بعضهم بنى شهرته على الجدل، وبعضهم على المخالفة، وبعضهم على إثارة الرأي العام. ثم تحول الانتباه الجماهيري إلى طلب إعلاني وتجاري، فتحول الطلب إلى دخل، والدخل إلى ثروة. وهنا لم تعد القاعدة “اصنع قيمة تحصل على المال”، بل أصبحت “احصل على الانتباه يأتيك المال”.
وهنا يظهر الفارق بين نوعين من الثروات.
ثروة يصنعها صاحبها، وثروة تصنع صاحبها.
الأولى تنشأ من قيمة حقيقية تستمر حتى لو تغيرت الظروف. أما الثانية فتولد من ظرف استثنائي أو موجة مؤقتة أو اهتمام جماهيري عابر. وإذا كان الزمن شريكًا في بناء النوع الأول، فإن المزاج العام هو شريك النوع الثاني، والمزاج العام لا يعرف الوفاء طويلًا.
ليس المقصود من هذا التقليل من نجاح أحد، ولا إنكار دور العمل والاجتهاد. لكن من الظلم أيضًا أن نقنع الناس بأن جميع أصحاب الثروات وصلوا لأنهم وحدهم امتلكوا السر الذي عجز الآخرون عن اكتشافه.
فالنجاح يحتاج إلى عقل وعمل وانضباط، لكنه يحتاج كذلك إلى فرصة وتوقيت وبيئة مناسبة. ومن الإنصاف أن نعترف بأن كثيرًا من الثروات العظيمة لم تُبنَ فقط بفضل أصحابها، بل بفضل الظروف التي سمحت لها بالنمو.
لذلك، عندما يخبرك أحدهم أنه بدأ من الصفر، فلا تسأل فقط عن حجم رأس المال الذي كان يملكه. اسأله أيضًا عن الفرص التي كانت أمامه يومها، وعن الأسواق التي دخلها قبل الآخرين، وعن الظروف التي سارت في صالحه.
عندها فقط ستكتشف أن كثيرًا من أصحاب الثروات ليسوا أذكى منا بالضرورة، لكنهم كانوا أقرب إلى الفرصة حين مرت من أمامهم.



