أخبار العالم

لقد كشفت حرب إيران عن حدود الحياد

اشراق العالم 24- متابعات الأخبار العالمية . نترككم مع خبر “لقد كشفت حرب إيران عن حدود الحياد

إن المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران ليست مجرد عملية عسكرية محدودة أو جولة أخرى في دائرة الردع المتبادل. بل إنه يقدم لحظة كاشفة لبنية النظام الدولي برمتها. وأعادت هذه المواجهة رسم الانقسامات الجيوسياسية بطريقة غير مسبوقة، وكشفت حدود الافتراضات التي حكمت سلوك القوى الكبرى لعقود من الزمن، وأهمها الاعتقاد بأن الصراعات يمكن احتواؤها من خلال الحياد أو الأدوات الدبلوماسية التقليدية.

وما أصبح واضحاً في الأيام الأولى للحرب هو أن العالم لم يعد يعمل وفقاً لمنطق التوترات المدارة وضبط النفس المتعمد، بل ضمن بيئة شديدة الترابط حيث تتقاطع الجغرافيا مع الشبكات العابرة للحدود الوطنية، ويمكن للأزمات الإقليمية أن تتحول بسرعة إلى صدمات عالمية مباشرة. وشنت إيران ضربات عبر عدة دول في المنطقة في الأيام القليلة الأولى من الحرب وحدها، مستهدفة الأصول الأمريكية بالإضافة إلى الطاقة في الخليج وغيرها من البنية التحتية – مما أدى على الفور تقريبًا إلى اضطراب السوق العالمية.

حدود الحياد

لقد أظهر مسار الحرب أن مفهوم “الحياد” لم يعد قابلاً للتطبيق في السياقات الإقليمية المعاصرة، وخاصة في الشرق الأوسط. فعندما تمتد أدوات الصراع من خلال وكلاء مسلحين، وإغلاق الممرات البحرية الحيوية والتهديدات لإمدادات الطاقة العالمية، تجد أي دولة، بغض النظر عن جهودها، نفسها منجذبة إلى مسار الأزمة بشكل أو بآخر. على سبيل المثال، استثمرت قطر سنوات في الوساطة بين واشنطن وطهران، وأبقت القنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، لكنها واجهت ضربات إيرانية على بنيتها التحتية المدنية ومنشآت الطاقة بعد ساعات من بدء الحرب.

إن إعلان الحياد أسهل من الحفاظ عليه. وأجبرت الضربات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء دول الخليج العديد من المنتجين على إعلان القوة القاهرة وتعليق عملياتهم. وفي قطر، أوقفت شركة قطر للطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وكانت الآثار محسوسة على الفور تقريبًا في أوروبا من خلال ارتفاع أسعار الغاز بنسبة 50% تقريبًا في هولندا والمملكة المتحدة، وهو تذكير بأن الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل التوريد أصبحت الآن مرتبطة بشكل مباشر باستقرار هذه المنطقة.

عندما يختلف الحلفاء

وظل التعامل مع الأنظمة الصعبة أو المتعنتة يشكل تحدياً مستمراً. أبدت العديد من الدول الأعضاء في الناتو ترددها، أو امتنعت تمامًا، عن دعم طلب واشنطن لتوسيع التعاون. وعلى المستوى المتعدد الأطراف، أصبحت الانقسامات داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة واضحة: ففي حين أدان بعض الأعضاء الضربات التي شنتها إيران على دول الخليج، لم يتمكن المجلس من التوصل إلى إجماع بشأن الضربات الأميركية الإسرائيلية، مما يسلط الضوء على الخلافات العميقة بين القوى الكبرى حول كيفية التعامل مع إيران والتعامل معها.

يعتمد معسكر وقف إطلاق النار على سجل تاريخي ثقيل. فقد أظهرت التدخلات العسكرية، مثل تلك التي حدثت في العراق وليبيا، على سبيل المثال، أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء أنظمة مستقرة؛ وفي كثير من الأحيان، يفتح الباب أمام الفوضى والانهيار المؤسسي. وفي كل من العراق وليبيا، ساهمت التدخلات العسكرية الخارجية في إطالة أمد الصراع والتشرذم والانهيار المؤسسي، وهو ما لا يزال البلدان يتعافى منه.

ويرى هذا المعسكر أن الحرب تضاعف الأزمات، وأن الأولوية يجب أن تكون لوقف الخسائر الإنسانية والاقتصادية والعودة إلى المسار الدبلوماسي، حتى لو كان ذلك يعني التعايش مع نظام صعب أو متعنت. كما أنها تعتبر الاستقرار النسبي أفضل من الفوضى التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

ومع ذلك، تواجه هذه الحجة معضلة مركزية: فهي تفترض أن النظام الإيراني قادر على الاحتواء ضمن قواعد الدبلوماسية التقليدية، وهو الافتراض الذي أثارت تصرفات إيران منذ 28 فبراير/شباط تساؤلات الآن. على سبيل المثال، ضربت إيران العديد من دول الخليج، بما في ذلك قطر والمملكة العربية السعودية، اللتين قدمتا ضمانات صريحة بأن أراضيهما لن تستخدم لشن أي عمليات هجومية ضد إيران.

ويتبنى معسكر تغيير النظام وجهة نظر معارضة، معتبراً أن الحرب لم تخلق الأزمة بل كشفت عن طبيعتها الحقيقية. ويؤكد أن السلوك الإيراني، سواء من خلال استهداف الممرات البحرية أو توسيع الحروب بالوكالة، أثبت أنه لا يمكن احتواء النظام أو ترويضه من خلال الأدوات التقليدية. عقود من الدبلوماسية والعقوبات لم تمنع إغلاق مضيق هرمز.

ويؤكد أنصار هذا الموقف أن عقودًا من الدبلوماسية، بما في ذلك الاتفاق النووي والوساطة الإقليمية، ساعدت في توسيع قدرات إيران وتوسيع نفوذها بدلاً من احتوائها. بالنسبة لهذا المعسكر، الحل يكمن في تغيير بنية النظام نفسه.

ومع ذلك فإن هذه الحجة تثير سؤالاً معقداً للغاية: ماذا يأتي بعد تغيير النظام؟ ولا تقدم التجارب السابقة في المنطقة أي نموذج ناجح لإعادة بناء الدولة بعد الإطاحة بالأنظمة، مما يجعل هذا الخيار أكثر خطورة مما قد تبرره مكاسبه المحتملة. وكانت الضربة الافتتاحية لهذه الحرب، والتي تمثلت في اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، مبنية في حد ذاتها على افتراض مفاده أن إقالة رئيس الدولة من شأنه أن يعجل بالانهيار. وبدلاً من ذلك، تم اختيار خليفة بعد وقت قصير من الضربة الأولية، واستمرت مؤسسات الدولة في العمل.

النظام الدولي على مفترق طرق

والحقيقة أن هذه الحرب تكشف عن تحول أعمق في طبيعة التهديدات التي تواجه النظام الدولي. ولم تعد التهديدات تقليدية أو محصورة داخل حدود الدولة؛ لقد أصبحوا مترابطين وقادرين على الانتشار عبر الجبهات العسكرية والاقتصادية والرقمية في وقت واحد. فهي لا تنشأ من الجيوش النظامية فحسب، بل من تقارب أدوات متعددة: الميليشيات، والهجمات السيبرانية، والاستهداف الاقتصادي، وإغلاق الممرات البحرية. وهذا التعقيد يجعل من الصعب للغاية الاعتماد على الأدوات التقليدية، سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية، لمعالجة الأزمات بفعالية.

إن الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمة قد لا ترقى إلى أكثر من تأجيل الانفجار الحتمي، في حين أن ملاحقة التغيير الجذري دون رؤية واضحة لليوم التالي قد تفتح الباب أمام فوضى أوسع نطاقا.

وبين هذين الخيارين يواجه العالم سؤالاً جوهرياً: كيف يستطيع أن يتعامل مع نظام تنظر إليه العديد من الدول على نطاق واسع باعتباره جزءاً من المشكلة، من دون السماح لملاحقة تحوله بخلق نظام أعظم؟

ما يبدو واضحاً هو أن المرحلة المقبلة لن تترك مجالاً كبيراً للمنطقة الرمادية التي اعتادت الدول على المناورة فيها منذ فترة طويلة. إما أن يكون منطق الاحتواء الحذر أو منطق الحسم الحاسم. وفي كلتا الحالتين فإن تكلفة القرار ستكون باهظة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل وأيضاً على النظام الدولي كما نعرفه.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.


نشكركم على قراءة خبر “لقد كشفت حرب إيران عن حدود الحياد
” من اشراق العالم 24 ونود التنويه بأن الخبر تم اقتباسه آليًا من مصدره الأساسي والمصدر الأساسي هو المعني بصحة الخبر وما يتضمنه.
مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى