أخبار العالم

الأخضر والأصفر: خطان يفصلانني عن أرضي

اشراق العالم 24- متابعات الأخبار العالمية . نترككم مع خبر “الأخضر والأصفر: خطان يفصلانني عن أرضي

إنه يوم الأرض اليوم في فلسطين، وهو اليوم الذي نحيي فيه ذكرى ارتباطنا الخاص بالأرض الفلسطينية. ولا يسعني إلا أن أفكر في جدي، وحرمانه من ممتلكاته، وتكرار تلك الصدمة في حياتي.

كان جدي حمدان يبلغ من العمر 12 عامًا عندما بدأت القوات الصهيونية حملة التطهير العرقي التي نطلق عليها الآن اسم النكبة. كان يعيش مع عائلته في قرية الفلوجة. لقد كانوا فلاحين يحصلون على دخلهم من خلال العمل في أراضيهم، وتربية حيوانات المزرعة، وبيع محاصيلهم الموسمية في الأسواق المحلية.

ابتداءً من أوائل عام 1948، تعرضت الفالوجة لهجوم من الميليشيات الصهيونية. وكانت هدفا استراتيجيا نظرا لموقعها في وسط شبكة من الطرق المؤدية شمالا إلى القدس ويافا وجنوبا إلى غزة. ومع اشتداد الاعتداءات الصهيونية الوحشية، فر جدي مع عائلته إلى القرى المجاورة.

ولم يأخذوا معهم أي شيء، معتقدين أنهم سيعودون قريبًا. الشيء الوحيد الذي كانوا يحملونه هو مفتاح باب منزلهم. وتمسك لواء مصري بالفلوجة، التي حاصرتها القوات الصهيونية حتى عام 1949. وأجبرتهم الهدنة بين مصر وإسرائيل المنشأة حديثًا على التخلي عن مواقعهم.

تم رسم الخط الأخضر، مما ترك 78% من فلسطين التاريخية تحت السيطرة الصهيونية، مما أدى إلى عزل جدي عن قرية أجداده لبقية حياته.

ومن طبيعة المستعمرين أن يخافوا من أي شيء يذكرهم بأصحاب الأرض الشرعيين، لأنه يكشف حقيقة أنهم أخذوا ما ليس لهم. ولذلك شرعت الميليشيات الإسرائيلية في تدمير ما تبقى من الفالوجا، إلى جانب قرى فلسطينية أخرى، وأقامت في الخمسينيات من القرن الماضي عدة مستوطنات على أراضيها، بما في ذلك كريات جات وشهار ونير هن.

وفي غزة، كافحت عائلة جدي من أجل بناء حياة جديدة. ورغم أن فكرة العودة لم تفارق مخيلتهم أبداً، إلا أن الواقع القاسي أجبرهم على التكيف. واستقروا في منطقة شرق خانيونس، حيث قاموا بزراعة أشجار الزيتون والحمضيات، وبنوا منزلاً.

لقد حرص جدي على تعليم أبنائه وأحفاده الزراعة. لكنه لم يخبرنا فقط كيف نزرع وننمو؛ لقد علمنا كيف نرسخ أنفسنا في أرض هي حقنا التاريخي. وكان يقول لنا دائمًا أنه إذا أخذ منا بالقوة فلن يعود هدية. وسوف يأتي ذلك بثمن باهظ، لأن إسرائيل تعرف أنها أخذت شيئا ليس لها الحق فيه، وبالتالي سوف ترد بوحشية عندما نطالب باستعادته.

كنت في الثامنة من عمري فقط عندما تذوقت ما عاشه جدي. خلال الحرب الإسرائيلية على غزة 2008-2009، نزحت مع عائلتي للمرة الأولى.

وبعد خمس سنوات ونصف، عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري، هاجمتني آلة الحرب الإسرائيلية مرة أخرى. هذه المرة، دمر منزلي ومنازل أعمامي الثمانية. وكانت تلك التجربة بمثابة الضربة القاضية لجدي الذي حمل في قلبه عبء ما يقرب من 70 عامًا من التهجير والدمار. لقد توفي بعد أيام فقط من رؤية أشجار الزيتون وبيوتنا مدمرة.

ولكننا تعلمنا الدرس جيداً من جدي. بقينا على الأرض. أعدنا بناء بيوتنا. لقد قمنا بإعادة زراعة أشجارنا ووضعنا جذورنا في عمق التربة مرة أخرى.

في أكتوبر 2023، بدأ الاحتلال مجزرته بحق أهل غزة. ووسط الموت والدمار في كل مكان، اضطررنا إلى الفرار من منازلنا مرة أخرى.

ومرة أخرى، دمرت القوات الإسرائيلية منازلنا واقتلعت الأشجار، مما أسفر عن مقتل العديد من أقاربنا وجيراننا.

وفي العام الماضي، رسمت إسرائيل ما يسمى بالخط الأصفر، وابتلعت ما يقرب من 60% من قطاع غزة. وهذا الخط يقف الآن بيني وبين بيتي، كما كان الخط الأخضر بين جدي والفلوجة

عندما أفكر في الأمر، أشعر بأن قلبي مثقل بثقل كل سنوات الاحتلال، حتى تلك التي لم أعشها. أشعر بمعاناة من سبقوني، ومعاناة أجدادي الذين كانوا يتوقون إلى العودة إلى ديارهم.

واليوم أحمل مفتاح منزلي، تماماً كما كان يفعل جدي. أحملها رغم أنني أعلم أن منزلي قد دُمر بالكامل. لقد رأيته بنفسي وقد تحول إلى أنقاض، وبقاياه أخذتها آلات التدمير. ومع ذلك، أحتفظ بالمفتاح.

وعلى الرغم من كل هذه الخسارة والمعاناة، ليس لدينا أي نية للمغادرة. على مدى 77 عاماً، حصل الفلسطينيون على حوافز مختلفة للتخلي عن وطنهم. وقد عرضت إسرائيل المال وتذاكر السفر والوعود بحياة أفضل في المنفى. وعندما فشل ذلك، لجأت إلى الإرهاب والسجن وهدم المنازل والحصار الاقتصادي في محاولة لكسر الإرادة الفلسطينية.

ومع ذلك فقد ظل الفلسطينيون ثابتين. علاقتهم بالأرض تتجاوز الملكية. إنه الانتماء الوجودي.

ولعل الرد الأوضح على هذا المشروع الاستعماري يكمن في الواقع الديموغرافي. بلغ عدد الفلسطينيين في غزة حوالي 80 ألف نسمة عام 1948؛ لقد استقبلوا ما يقرب من 200 ألف لاجئ، بما في ذلك عائلة جدي. اليوم، حتى بعد عامين من الإبادة الجماعية، نحن مليوني شخص، متمسكون بأرضنا، ونقاوم الطرد ونشعر بالارتباط أكثر من أي وقت مضى.

ومهما كانت الخطوط التي رسمها المحتل، سواء كانت خضراء أو صفراء أو أي لون آخر، فإنها ستتلاشى في وجه وجودنا المتجذر. ومهما طال الزمن، ومهما أصبحت آلة الحرب الاستعمارية عنيفة، فسوف نبقى هنا. فلسطين نحن ونحن هي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.


نشكركم على قراءة خبر “الأخضر والأصفر: خطان يفصلانني عن أرضي
” من اشراق العالم 24 ونود التنويه بأن الخبر تم اقتباسه آليًا من مصدره الأساسي والمصدر الأساسي هو المعني بصحة الخبر وما يتضمنه.
مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل