ثلاث رسائل تعيد ضبط الأوضاع في شرق اليمن

اشراق العالم 24- متابعات الأخبار العالمية . نترككم مع خبر “ثلاث رسائل تعيد ضبط الأوضاع في شرق اليمن
”
تكثفت الإشارات السياسية والعسكرية في مسرح اليمن المعقد بالفعل. وفي فترة زمنية قصيرة على غير العادة، صدرت ثلاثة بيانات متتالية في سياق واحد، بدءاً بطلب يمني رسمي من الرئيس رشاد العليمي، رئيس المجلس القيادي الرئاسي اليمني، الهيئة الحاكمة للحكومة المعترف بها دولياً. وأعقب ذلك رد عملياتي من التحالف الذي تقوده السعودية، ثم رسالة سياسية من وزير الدفاع السعودي تحدد التحركات على الأرض والاتجاهات التي تتخذها.
ما حدث لا يمكن تفسيره على أنه تحرك منعزل، ولا على أنه جزء من هدنة روتينية. ويشير التسلسل إلى ترتيب يستخدم الشرعية اليمنية كإطار سياسي لتحرك سعودي يهدف إلى كبح توسع الحليف الذي يتقدم شرقا، وفي الوقت نفسه تقليل فرص الحوثيين في استغلال أي صدع داخل المعسكر المعارض. ولهذا فاق وزن التصريحات الثلاثة كلماتها، حيث نقلت الأزمة من لعبة شد الحبل المفتوحة إلى مسار واضح بناء على طلب رسمي، ثم رد ميداني، ثم رسالة سياسية تحدد حدود الحركة وتحدد اتجاهها.
لماذا الشرق ولماذا الآن؟
قد تبدو أسماء المحافظات اليمنية تفاصيل هامشية للقارئ غير العربي، إلا أن حضرموت والمهرة استثناءان. وتمثل حضرموت العمق الاقتصادي لليمن بمواردها من النفط والغاز والبنية التحتية المرتبطة بها، كما أن لديها معبراً حدودياً حيوياً مع المملكة العربية السعودية، مما يجعلها جزءاً من معادلة أمن الحدود والتجارة. وتسيطر المهرة بحكم موقعها الحدودي مع عمان والسعودية على الموانئ والمعابر وطرق الحركة التي تؤثر على الأمن الإقليمي والاقتصاد المحلي. وهذا الموقع يجعل من أي توتر في الشرق قضية حدودية جوهرية، وليس مجرد أزمة محلية، وأي حالة عدم استقرار واسعة النطاق هناك لن تظل محصورة داخل اليمن، لأنها تؤثر على اقتصاد البلاد، وتثير حساسية الحدود داخل المنطقة، وتثير المخاوف بشأن استقرار طرق التجارة.
ولهذا السبب تنظر الرياض إلى الشرق باعتباره منطقة تسعى إلى تحييدها عن الفوضى قدر الإمكان. ومع توسع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة وقواته نحو حضرموت والمهرة، تحول الموضوع من حراك ميداني محدود إلى اختبار لحدود التحالف نفسه، وإلى سؤال مباشر حول من له الحق في إدارة الأمن والموارد في المناطق التي لا تحتمل صراعا طويلا.
وجاءت الخطوة الأولى عبر تصريح منسوب لمصدر حكومي حول طلب رئيس المجلس القيادي الرئاسي اتخاذ إجراءات عسكرية لحماية المدنيين في حضرموت ودعم القوات المسلحة في فرض التهدئة. وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تنقل الأمر من كونه خلافات بين قوى داخل المعسكر الواحد (المجلس الانتقالي عضو في مجلس القيادة الرئاسي) إلى مستوى تصعيد يهدد سلامة المدنيين واستقرارهم، مما يتطلب تحركاً من الشريك الداعم.
ويعطي هذا الطلب التحالف مبررا سياسيا أوضح للتدخل، حيث يتحرك استجابة لطلب من رئيس هيئة حكم معترف بها دوليا. داخلياً، يبعث الطلب برسالة لا تقل أهمية، إذ أن الرئاسة لا تريد أن تصبح مجرد واجهة تستر على حقائق مفروضة، وتسعى إلى تأكيد فكرة أن السيطرة على الميدان تتم من خلال الدولة، حتى لو طلبت دعماً إقليمياً لتحقيق ذلك.
وجاء البيان الثاني عبر التحالف بدعوة عاجلة للمجلس الانتقالي الجنوبي للانسحاب من حضرموت والمهرة، وتسليم المعسكرات لقوات “درع الوطن”، وتمكين السلطات المحلية من القيام بواجباتها، مع التحذير من التعامل المباشر مع أي تحركات عسكرية تتعارض مع جهود خفض التصعيد. ولا يهدف هذا المضمون إلى خفض التصعيد فحسب، بل يرسم خطوات تنفيذية: الانسحاب، ثم التسليم، ثم إعادة السلطة المحلية.
إن ذكر قوات “درع الوطن” في البيان ملفت للنظر، لأن التحالف لا يدعو إلى إخلاء المواقع فحسب، بل يقترح جهة بديلة لتوليها. وهذا يقلل من احتمالية حدوث فراغ أمني، ويمنح الرياض أداة عملية لإدارة ملف الشرق بعيداً عن منطق تعدد القوى. أما عبارة «الاشتباك المباشر» فهي التحذير الأكثر وضوحا، لأنها تزيد من تكلفة أي محاولة لاختبار حدود التحالف أو فرض واقع جديد بالقوة.
وأكد البيان الثالث لوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان آل سعود، الموجه بالدرجة الأولى إلى الشعب اليمني، أن تدخل المملكة جاء استجابة لطلب الحكومة الشرعية ودعما لاستعادة الدولة والحفاظ على أمن اليمن. وشددت على أن “القضية الجنوبية” قضية سياسية عادلة لا يمكن تجاهلها، وتم دمجها في مسار الحل السياسي من خلال مؤتمر الرياض واتفاق الرياض، بما يضمن مشاركة الجنوب في الحكم. ثم دعا المجلس الانتقالي الجنوبي إلى “الأخذ بالعقل” والاستجابة لجهود الوساطة السعودية والإماراتية لإنهاء التصعيد وتسليم المعسكرات سلميا.
يعمل هذا التأطير في اتجاهين؛ فهو يمنح المجلس الانتقالي اعترافاً سياسياً بالقضية الجنوبية، مع وضع حدود صارمة لسعيه، حيث تميز الرياض – بحسب البيان – بين عدالة القضية واستخدام القوة لتغيير خرائط السيطرة في مناطق الموارد والحدودية. وفي الوقت نفسه، فإنه يترك للمجلس الانتقالي الجنوبي مخرجًا عمليًا من خلال التسليم السلمي بدلاً من المواجهة المفتوحة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي؟
هذا التسلسل يضع شركة الاتصالات السعودية أمام اختبار مباشر. جاء الطلب من رئيس السلطة الشرعية التي ينتمي إليها المجلس الانتقالي الجنوبي، وحدد البيان العملياتي للتحالف سقفاً لتحركاته، كما وفر الإطار السياسي من وزير الدفاع السعودي مخرجاً عبر التسليم السلمي. وفي هذا السياق، فإن الاستجابة المنظمة ستسمح للمجلس الانتقالي الجنوبي بتقديم أي انسحاب باعتباره مشاركة في وقف التصعيد، مع الاحتفاظ بخطابه السياسي ونفوذه في مناطق سيطرته التقليدية. لكن المماطلة أو التحدي المباشر يثير المخاطر، لأنه قد يؤدي إلى ضغوط سياسية ودبلوماسية أكبر وتصويرها على أنها الطرف الذي يعرقل عملية خفض التصعيد في منطقة شديدة الحساسية. علاوة على ذلك، فإن الرسائل الثلاث تعيد رسم حدود التوسع داخل المعسكر نفسه، حيث تختلف ترتيبات النفوذ في مراكز أو مناطق معينة عن محاولات إعادة تشكيل النفوذ في شرق اليمن بالقوة.
الحوثيون يراقبون
ويراقب الحوثيون، وهم جماعة مسلحة لها حكومتها المدعومة من إيران وتسيطر على العاصمة اليمنية صنعاء وشمال غرب اليمن، أي خلاف بين خصومهم ويسعون لاستغلاله. ولهذا السبب فإن التنسيق السريع بين الرئاسة اليمنية والتحالف يرسل إشارة إلى حكام صنعاء بأن المعسكر المعارض قادر على إدارة خلافاته في المناطق الحساسة، وأن الرهان على الاقتتال الداخلي كمسار إلى الشرق قد لا يكون مضمونا. بالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء ترتيبات أمنية حول مناطق الموارد يقلل من فرص الاستفادة سياسياً من الفوضى التي تشهدها، ويُعقد أي اندفاع مستقبلي نحوها.
تبدو عبارة “الوساطة السعودية الإماراتية” في تصريحات التحالف وتصريحات وزير الدفاع السعودي حساسة للغاية، لأن علاقة أبوظبي مع المجلس الانتقالي الجنوبي ليست مجرد علاقة تواصل سياسي، بل هي علاقة رعاية وتمويل ودعم تمنحه حرية الحركة وداعمًا دائمًا. عندما تظهر الإمارات كوسيط إلى جانب السعودية، فإنها تبعث برسالتين متعارضتين في نفس الوقت: فهي تمنح المجلس الانتقالي الجنوبي الشعور بأنه محمي، بينما تضع أبو ظبي في زاوية ضيقة لأن الوساطة تستلزم التزاما عمليا بوقف التصعيد، وليس مجرد إعلان نوايا.
وهو ما يحول الوساطة إلى اختبار لمواءمة الحسابات داخل التحالف نفسه، وقياس مباشر لمدى استعداد أبوظبي لاحترام نهج شريكتها الرياض في قضية تعتبرها السعودية تهديدا لأمن حدودها ومصالحها الاستراتيجية. لكن يبقى السؤال: هل ستنجح أبو ظبي في دفع المجلس الانتقالي نحو خفض التصعيد، أم سيبقى الغطاء السياسي قائما بينما تتحرك التطورات على الأرض في اتجاه مختلف؟
إلى أين نتجه؟
والأرجح أن السعودية تدفع باتجاه تسوية قصيرة الأمد تتضمن انسحاباً مرحلياً وتسليماً منظماً للمعسكرات، وترتيبات أمنية تمنع أي طرف منفرد من فرض سيطرته على مديريتي حضرموت والمهرة. ويحافظ هذا المسار على الحد الأدنى من الاستقرار ويقلل من فرص الاشتباكات داخل المعسكر المعارض للحوثيين. وإذا تعثرت، فسوف تظهر أدوات ردع محدودة تهدف إلى فرض السقف المعلن، مع إبقاء قناة الوساطة مفتوحة لتجنب انفجار واسع النطاق.
التصريحات الثلاثة رفعت تكلفة تحويل شرق اليمن إلى ساحة خلاف مفتوحة، لكنها لم تغلق المشهد.
ومن وجهة نظري فإن ما سيحدد الاتجاه ليس التصريحات وحدها، بل سلوك الأطراف في الأيام التالية: هل سيختار الانتقالي تسوية تحفظ ماء الوجه أم سيراهن في الوقت المحدد؟ وهل تنجح ترتيبات «البديل الأمني» في الحد من الاحتكاك، أم أنها ستولد حساسيات محلية جديدة؟
وسؤال أخير يتعلق بالحوثيين: هل سيعتبرون هذا الاحتواء رادعًا يقلل من فرص الاستثمار في الخلافات، أم سيعتبرونه فرصة لاختبار حدود الحركة؟
الإجابات ستتضح قريبا، لأن الأحداث لا تزال تتحرك بسرعة، ولأن شرق اليمن أصبح إما معيارا للاستقرار أو بوابة لفوضى أوسع.
نشكركم على قراءة خبر “ثلاث رسائل تعيد ضبط الأوضاع في شرق اليمن
” من اشراق العالم 24 ونود التنويه بأن الخبر تم اقتباسه آليًا من مصدره الأساسي والمصدر الأساسي هو المعني بصحة الخبر وما يتضمنه.
مصدر الخبر



