الباحة.. وإنتاج بدون هدر | سبق
تتحول منطقة الباحة من سلة غذاء متنوعة إلى نموذج واعد للاقتصاد الزراعي الدائري، مستندة إلى قاعدة إنتاجية تضم ملايين الأشجار من المانجو والبُن والزيتون والرمان والعنب وغيرها، مدعومة بمدرجات زراعية تاريخية وـ ١٩ مدينة زراعية متخصصة على مساحة تتجاوز ٣٦.٧ مليون م². وتراهن المنطقة على استثمار المخلفات الز…
تُعدّ منطقة الباحة من أبرز المناطق الزراعية في المملكة، ليس فقط لتنوع محاصيلها، بل أيضاً لمواردها الطبيعية النادرة التي جعلتها نموذجاً فريداً للزراعة الجبلية في البيئات شبه الجافة. وقد ساهم التباين المناخي بين مرتفعات قطاع السراة وسهول قطاع تهامة، ووفرة المدرجات الزراعية التاريخية، في خلق نظام إنتاجي متنوع يجمع محاصيل من المناطق المعتدلة وشبه الاستوائية ضمن منطقة جغرافية واحدة. وشهد القطاع الزراعي في الباحة خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية بدعم من برامج وزارة البيئة والمياه والزراعة، ومبادرات التنمية الزراعية الريفية المستدامة “ريف السعودية”. وقد تم تطوير مدن ومزارع متخصصة للبُن والتين الشوكي والرمان والعنب والزيتون والمانجو واللوز والحماط والمشمش، كجزء من استراتيجية تهدف إلى تحويل المزايا النسبية للمنطقة إلى مزايا تنافسية مستدامة. تشير البيانات الرسمية إلى أن المنطقة ستضم أكثر من 1.5 مليون شجرة بُن، ونحو 3 ملايين شجرة مانجو، وأكثر من 200 ألف شجرة زيتون، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من أشجار الرمان والعنب واللوز. ويعكس هذا حجم القاعدة الإنتاجية الزراعية، التي تُشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الريفي والتنمية المحلية. ومع ذلك، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الثروة الزراعية في حجم الإنتاج فحسب، بل في القدرة على بناء نظام اقتصادي متكامل حولها، قادر على تحقيق أقصى عائد اقتصادي لكل وحدة أرض، ولكل متر مكعب من الماء.
الباحة: من سلة غذاء إلى عاصمة للاقتصاد الزراعي الدائري
في ظل سعي الاقتصادات الحديثة إلى تعظيم الاستفادة من الموارد، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة الإنتاج، تبرز منطقة الباحة كإحدى أكثر مناطق المملكة الواعدة لبناء نموذج شامل للاقتصاد الزراعي الدائري. فهي تضم لـ 19 مدينة زراعية متخصصة تمتد على مساحة تزيد عن 36.7 مليون متر مربع، لا تملك المنطقة قاعدة إنتاج زراعي ضخمة فحسب، بل تمتلك أيضاً ثروة هائلة غير مستغلة من مخلفاتها الزراعية، والتي يمكن تحويلها إلى مورد اقتصادي دائري جديد، مما يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والتنمية المستدامة.
ثروة كامنة بين الأغصان والأوراق
عند النظر إلى القطاع الزراعي، ينصب التركيز عادةً على الفاكهة والمحاصيل النهائية، بينما تبقى كميات هائلة من المخلفات الزراعية خارج نطاق الحسابات الاقتصادية. في منطقة الباحة، التي تضم ما يقارب 3 ملايين شجرة مانجو، وأكثر من 1.5 مليون شجرة بن، و200 ألف شجرة زيتون، و120 ألف شجرة رمان، وعشرات الآلاف من أشجار العنب واللوز والحمضيات، تُنتج سنوياً كميات كبيرة من أغصان التقليم والأوراق ومخلفات الحصاد والفواكه غير الصالحة للتسويق، بالإضافة إلى منتجات ثانوية من عمليات الفرز والتعبئة والتصنيع الزراعي. ينبغي النظر إلى هذه الكميات على أنها مواد خام لصناعات جديدة قادرة على خلق قيمة اقتصادية، وتوفير فرص عمل، وجذب استثمارات محلية.
من الإنتاج الزراعي إلى سلاسل القيمة
لا تُحدد القيمة الاقتصادية للمحاصيل عند باب المزرعة؛ تتضاعف قيمتها مع انتقالها عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة. فالمانجو ليست قيّمة عند بيعها طازجة فحسب، بل يمكن استخدامها أيضاً في إنتاج العصائر، والمُركّزات، والفواكه المجففة، والمنتجات الغذائية المتخصصة. وينطبق الأمر نفسه على الزيتون، الذي يُستخدم في إنتاج الزيوت ومستحضرات التجميل الطبيعية، وعلى الرمان والعنب، اللذين يُشكّلان أساساً للعديد من الصناعات الغذائية.كما تدخل النفايات الناتجة عن كل هذه العمليات في دورة اقتصادية جديدة من خلال إعادة التدوير والمعالجة الحيوية، مما يُحوّل كل مرحلة من مراحل الإنتاج إلى مصدر للقيمة الاقتصادية المضافة، بدلاً من كونها مجرد نهاية سلسلة الإنتاج. تتمتع منطقة الباحة بالموارد الطبيعية اللازمة للتحول. ويكمن سر تميزها التنافسي في تكامل مواردها الطبيعية والزراعية والمائية. وتضم الباحة 58 سداً بسعات تخزينية متفاوتة، بما في ذلك سدود زراعية تصل سعتها إلى مليوني متر مكعب. وهذا يوفر أساساً متيناً لاستدامة النشاط الزراعي وتوسعه. علاوة على ذلك، يتيح التنوع المناخي بين المرتفعات ومنطقة تهامة للمنطقة تنوعاً واسعاً في المحاصيل الزراعية. وينعكس هذا التنوع بشكل مباشر في تنوع المخلفات الزراعية والفرص العديدة للاستثمار الاقتصادي فيها. وتُدرك الجهات المعنية في المنطقة أهمية هذه المسألة. وقد نفّذ فرع الباحة التابع لوزارة البيئة والمياه والزراعة برامج توعية وورش عمل متخصصة حول التعامل الآمن مع المخلفات الزراعية واستخدامها في إنتاج الأسمدة العضوية وتحسين جودة التربة الزراعية. كما تم دعم المزارعين بآلات تقطيع النفايات الزراعية لإعادة تدويرها وتحويلها إلى سماد عضوي، وهي خطوة تعكس التحول من مفهوم التخلص من النفايات إلى مفهوم استثمارها الاقتصادي.
فرصة استثمارية واعدة
إذا نجحت منطقة الباحة في بناء نظام متكامل لجمع وفرز ومعالجة المخلفات الزراعية، فستشهد المنطقة قطاعاً اقتصادياً جديداً كلياً مرتبطاً بالصناعات الحيوية، والأسمدة العضوية، والطاقة الحيوية، والفحم الحيوي، والصناعات الزراعية التحويلية. سيؤدي ذلك إلى زيادة دخل المزارعين، وخلق فرص عمل للشباب، وجذب استثمارات جديدة، والحد من الفاقد الزراعي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتعزيز الاستدامة البيئية مع خفض الانبعاثات. تمتلك الباحة اليوم جميع المقومات اللازمة للانتقال من الإنتاج الزراعي التقليدي إلى اقتصاد حيوي دائري، حيث تُحوّل المنتجات الزراعية إلى صناعات، والمزارع إلى مراكز تنمية، والمخلفات إلى موارد إنتاجية
التنمية الزراعية الواعدة تبدأ بالتحول نحو سلاسل القيمة المضافة وتتبنى مفهوم الصفر فاقد حيث لا هدر

