الامتثال أم التعقيد | سبق
يثير المقال تساؤلًا حول العبء الإداري الذي تسببه كثرة الشهادات والاشتراطات على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بسبب تعدد المنصات واختلاف مواعيد التجديد، وما يترتب على ذلك من استنزاف للوقت والجهد على حساب تطوير الأعمال. ويدعو الكاتب إلى منصة رقمية موحدة أو على الأقل توحيد دورات التجديد لجميع الشهادات، بما…
لا يختلف اثنان على أهمية الأنظمة والاشتراطات التي تهدف إلى رفع جودة الأعمال، وحماية المستهلك، وتعزيز الامتثال. لكن السؤال الذي يتردد على ألسنة أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو: هل أصبحت كثرة الشهادات وتعدد إجراءاتها تشكل تحديًا إداريًا يستنزف الوقت والجهد أكثر مما ينبغي؟
صاحب المنشأة اليوم لا يكتفي بإصدار السجل التجاري والرخص اللازمة، بل يجد نفسه أمام سلسلة من الشهادات والتصاريح والاشتراطات، لكل منها منصة مستقلة، وآلية مختلفة، ومتطلبات خاصة، وتاريخ انتهاء يختلف عن الآخر. وبين منصة وأخرى، يضيع الوقت، وتزداد احتمالات نسيان موعد تجديد إحدى الشهادات، رغم حرص صاحب المنشأة على الالتزام بجميع المتطلبات.
المشكلة ليست في وجود الشهادات، فلكل منها هدف مشروع يخدم الجودة والسلامة والامتثال، وإنما في تعدد المنصات واختلاف مواعيد التجديد. فقد يجدد صاحب المنشأة شهادة هذا الشهر، وأخرى بعد شهرين، وثالثة بعد ستة أشهر، ليبقى طوال العام منشغلًا بمتابعة المواعيد والإجراءات بدلًا من التركيز على تنمية أعماله.
وفي ظل التحول الرقمي الذي تعيشه المملكة، يبرز تساؤل منطقي: لماذا لا تكون هناك منصة موحدة تجمع جميع شهادات المنشأة؟ ولماذا لا تُربط مدد صلاحيتها بموعد تجديد موحد، كما هو الحال في السجل التجاري الذي يُجدد سنويًا؟
إن توحيد المنصات، أو على الأقل توحيد مواعيد التجديد، سيحقق فوائد كبيرة للقطاع، إذ سيُبسط الإجراءات، ويرفع مستوى الالتزام، ويقلل من الأخطاء الناتجة عن اختلاف المواعيد، ويمنح أصحاب المنشآت وقتًا أكبر للتركيز على تطوير أعمالهم وتنمية استثماراتهم.
كما أن وجود لوحة تحكم رقمية واحدة تعرض جميع الشهادات، وحالتها، وتواريخ انتهائها، مع إمكانية تجديدها من مكان واحد، سيكون خطوة تعكس مستوى التكامل الرقمي الذي وصلت إليه المملكة، ويجسد مفهوم الحكومة الرقمية التي تضع تجربة المستفيد في مقدمة أولوياتها.
إن دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا يقتصر على المبادرات والبرامج، بل يشمل أيضًا تبسيط الإجراءات، وتقليل تعدد المنصات، وتوحيد رحلة المستفيد. فالمنشأة التي تنصرف إلى الإنتاج والابتكار والإسهام في الاقتصاد الوطني، أولى من أن تقضي جزءًا كبيرًا من وقتها في متابعة مواعيد متفرقة وإجراءات متكررة.
وربما آن الأوان لطرح هذا السؤال: إذا كان السجل التجاري يُجدد مرة واحدة سنويًا، فلماذا لا تكون بقية الشهادات على دورة تجديد موحدة، أو ضمن منصة واحدة تجمعها جميعًا؟ خطوة كهذه لن تلغي الاشتراطات، بل ستجعل الامتثال أكثر سهولة، والإجراءات أكثر كفاءة، وبيئة الأعمال أكثر مرونة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في دعم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتعزيز تنافسيته.



