ذكاء السعودية مع الذكاء الاصطناعي
يستعرض المقال تطوّر الذكاء الاصطناعي منذ بداياته النظرية في أربعينيات القرن الماضي وحتى وصوله إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي التوليدي المدعوم بقدرات حاسوبية هائلة وتدفق غير مسبوق للبيانات. ويشير إلى تزايد وعي المجتمع السعودي بهذه التقنية؛ إذ يعرف 84 % من الأفراد ماهيتها، ويستخدم أكثر من نصفهم أدواتها بش…
قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن أحد يعرف الكثير عن الذكاء الاصطناعي باستثناء المتخصصين والتقنيين. أما الآن، فلا يكاد يمر يوم من دون أن تسمع هذه العبارة مرات عدة، وفي كل مكان ومجال، إلى درجة توحي بأنها «كلمة العصر»، وأننا من دونها قد نضيع في هذا العالم الرقمي.
وهنا يُطرح السؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح؟ أم نتركه ليستحوذ على حياتنا، كما فعلت تقنيات أخرى اقتحمت تفاصيل يومنا من دون أن تستأذننا، ثم سيطرت علينا بصورة سلبية، فسلبت شيئًا من عقولنا وخصوصيتنا وبعض حقوقنا؟
القصة بدأت قبل نحو 90 عامًا
على عكس ما يظنه كثيرون، لم تولد هذه التقنية قبل ثلاث سنوات فقط، ولم تبدأ مع ولادة المنصة الأشهر في هذا المجال «شات جي بي تي»، بل تعود جذورها إلى أربعينيات القرن الماضي، حين اقترح بعض العلماء نماذج أولية للخلايا العصبية الاصطناعية.
وبرز هذا المفهوم بصورة أكبر في مطلع خمسينيات القرن الماضي، عندما أثار عالم الرياضيات البريطاني آلان تورنغ (Alan Turing) تساؤله الشهير: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟
ومنذ ذلك الوقت، شهد الذكاء الاصطناعي موجات متعاقبة من الازدهار والركود، وصلت في بعض الفترات إلى ما عُرف بـ«شتاء الذكاء الاصطناعي»، قبل أن يصل إلى الانتشار الواسع الذي نشهده اليوم.
لذلك، فنحن نتحدث عن مفهوم عتيق نسبيًا، بل أقدم من الإنترنت بصورته الحديثة بعشرات السنين.
إذن، ما الذكاء الاصطناعي؟
تخيّل أنك تريد تعليم طفل طريقة استخدام القلم للكتابة. على الأرجح أنك ستتبع إحدى طريقتين، أو تجمع بينهما: الأولى أن تعلّمه وتوجّهه خطوة بخطوة إلى الطريقة الصحيحة لمسك القلم بين أصابعه، أما الثانية فهي أن تريه بالمثال والمشاهدة كيف يُمسك القلم، ثم تترك له مساحة للتجربة والتعلّم من الممارسة.
الطريقة الثانية تقرّب لنا، بصورة مبسطة، الكيفية التي تعمل بها كثير من تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة؛ إذ تُزوَّد الآلة بكميات ضخمة من البيانات لتتعلم منها الأنماط والعلاقات، بدلًا من الاعتماد فقط على الطريقة التقليدية في البرمجة، التي تقوم على كتابة سلسلة محددة من الأوامر والشروط للوصول إلى نتيجة مرجوة مسبقًا.
إذن، ما الذي تغيّر خلال السنوات الأخيرة؟
هناك سببان جوهريان.
أولهما: القدرة الحاسوبية. فلك أن تتخيّل أن الإصدار الحديث من هاتف آيفون يمتلك قدرة حاسوبية تفوق، بفارق هائل، قدرات حاسوب التوجيه الذي استُخدم في مهمات «أبولو» للوصول إلى القمر عام 1969م بما يقدر بأكثر من 3.5 مليون مرة. فما بالك بما وصلت إليه اليوم مراكز البيانات العملاقة، والحواسيب فائقة الأداء، والخوادم المتقدمة؟
أما السبب الثاني فهو التوافر الهائل للبيانات. ففي السابق، لم تكن الكتب والدراسات والمقالات والصور والتحليلات والمحتويات الرقمية متاحة بهذا الكم وبهذه الصورة. وتشير دراسة أجرتها مؤسسة SINTEF النرويجية، بالاستناد إلى بيانات شركة IBM، إلى أن حجم البيانات الرقمية العامة تضاعف تقريبًا كل عامين منذ بداية القرن الحالي وحتى السنوات التي سبقت الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما يعكس النمو المتسارع جدًا في حجم البيانات الرقمية عالميًا خلال العقود الماضية.
ومع اجتماع القدرة الحاسوبية الهائلة والبيانات الضخمة وتطور نماذج التعلم الآلي، وصلنا إلى ما نعرفه اليوم بـ«الذكاء الاصطناعي التوليدي»، القادر على إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو وغيرها من أشكال المحتوى، استنادًا إلى الأنماط التي تعلّمها من كميات ضخمة ومتنوعة من البيانات.
السعودية والذكاء الاصطناعي
في تقرير «سدايا» الصادر مؤخرًا عن حالة الذكاء الاصطناعي، نقرأ أرقامًا تثلج الصدر وتبعث على الفخر.
ففي استطلاع أُجري في نهاية عام 2025، قال 84% من أفراد المجتمع إنهم يعرفون ماهية الذكاء الاصطناعي، فيما أوضح 74% أنهم يدركون تطبيقاته في الحياة الواقعية.
لكن الأهم من المعرفة هو الاستخدام؛ إذ يستخدم أكثر من نصف المستطلعين، بنسبة 51%، أدوات مثل «شات جي بي تي» و«جيمناي» يوميًا أو شبه يومي، فيما يستخدمها 21% مرة واحدة في الأسبوع على الأقل.
والأجمل من مجرد الاستخدام هو الاستخدام المسؤول والواعي لهذه التقنية؛ إذ يتصدر التعلم والبحث عن المعلومات قائمة الاستخدامات بنسبة 47%، ثم إنجاز مهام العمل والمتطلبات الدراسية بنسبة 25%.
كما أن الأغلبية لم تسلّم عقولها لهذه التقنية من دون تفكير؛ فقد أفاد التقرير بأن 58% من المستطلعين يراجعون المخرجات قبل اعتمادها، أي أن كثيرين فتحوا الباب للآلة، لكنهم لم يسلّموها المفتاح بدون حدود أو قيود.
كما قال 63% إنهم اطلعوا على المبادئ والإرشادات الوطنية للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي الصادرة عن «سدايا»، أو سمعوا عنها.
هذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى الحكومي والاقتصادي، فقد ارتفع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بنسبة 20% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق. كما ارتفع عدد الشركات التي تقدم خدمات تقنيات الذكاء الاصطناعي أو تطورها بنسبة 174% في عام 2025 مقارنة بعام 2023.
المستقبل أذكى
تاريخيًا، مع ظهور كل تقنية جديدة تظهر معها تحديات ومخاوف ومتاعب. لكن الاستخدام المسؤول، وفهم التقنية، وإدراك الغاية من وجودها، هي الأسس التي ترفع من قدرتنا على الاستفادة الحقيقية منها.
ولقد أثبتت السعودية، قيادةً وشعبًا، مرارًا وتكراراً قدرتها على تحويل التقنيات الجديدة من مجرد موجات عالمية إلى أدوات عملية تخدم الإنسان، وتدفع التنمية، وتصنع المستقبل.
الذكاء الاصطناعي ليس ضيفًا سيغادر قريبًا، ولا موجة عابرة يمكن تجاهلها؛ بل تقنية ستزداد حضورًا في حياتنا وأعمالنا واقتصادنا.
لذلك، ربما لم يعد السؤال: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل أصبح السؤال الأهم: كيف سنستخدمه دون أن نسمح له بأن يستخدمنا؟