صديق الفصول الأربعة… من يبقى معنا حين تتغير فصولنا؟
يطرح المقال مفهوم “صديق الفصول الأربعة” بوصفه الصديق الحقيقي الذي يبقى حاضرًا وداعمًا في كل تقلبات حياة الإنسان، من خريف الخسارة وشتاء الوحدة، إلى ربيع النجاح وصيف الانشغال والضغوط. ويؤكد أن معيار الصداقة ليس طول العشرة، بل ثبات الموقف وعدم الهروب عند الانكسار أو الحسد عند الازدهار أو استغلال لحظات…
زينةٌ في الرخاء وعُدّةٌ في الشدة
كما للعام أربعة فصول مرتبة، فللإنسان فصوله الأربعة أيضًا، لكنها لا تعرف الترتيب والتعاقب؛ فقد تتداخل وتتزامن.
وفصول العام زائرة، وكذلك فصول الإنسان؛ تتبدل بين شدة ورخاء، وانكسار ونهوض، وحزن وفرح.
والسؤال: من يستطيع أن يبقى معنا حين تتغير فصولنا؟
من يعرفنا في خريفنا كما عرفنا في ربيعنا، ويتحمل شيئًا من برد شتائنا، ولا يغار من إزهارنا، ولا يزيد هجير صيفنا؟
إنه صديق الفصول الأربعة.
فالصداقة الحقيقية لا تُقاس بطول المعرفة، ولا بكثرة اللقاءات، بل بثبات الصديق حين تتغير أحوالنا؛ فلا يرفضنا عند الانكسار، ولا ينافسنا عند الازدهار، ولا يستغلنا عند الضعف.
ولكن كيف يكون صديق الفصول الأربعة؟
فحين تكون خريفًا
قد يُصاب الإنسان بخريف؛ يخسر تجارة، أو يمرض، أو ينكسر، وهنا يُعرف صديق خريفه.
وتُروى في كتب الأدب قصة خزيمة بن بشر حين أصابته الحاجة بعد سعة؛ فعلم عكرمة الفياض بحاله، فجاءه ليلًا متخفيًا، وأعطاه مالًا ينهض به من عثرته، وأبى أن يعرّفه بنفسه، وسمى نفسه «جابر عثرات الكرام».
وهذه هي الصداقة في الخريف: ألا يكون صديقك ورقة أخرى تسقط حين تسقط أوراقك.
وحين تكون شتاءً
وقد يمر الإنسان بخذلان أو وحدة أو قسوة، فينكمش عن الناس، ويحتاج إلى من يعرف كيف يقترب دون أن يقتحم؛ كما فعل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه حين هرول لمصافحة كعب بن مالك رضي الله عنه وتهنئته بعد أن تاب الله عليه.
فبعض المواقف لا تنهي الشتاء، لكنها تكون أول الدفء بعده.
وحين تكون ربيعًا
هناك من يربت على كتفك وأنت في الخلف، ثم يصعب عليه أن يصفق لك حين تتقدم. فصديق ربيعك يفرح بإزهارك دون أن يشعر أن كل زهرة في حديقتك اقتُلعت من حديقته.
ومن أشهر صداقات الأدب صداقة غوته وشيلر؛ فقد جمعهما حوار وتعاون أدبي، وكان كل منهما يقرأ أعمال الآخر ويشجعه.
فالصديق الحقيقي لا يخشى ربيعك، ولا يحوّل نجاحك إلى مقارنة؛ يفرح بإزهارك، ولا يقتلع زهرة منك ليضعها في إنائه.
وحين تكون صيفًا
وقد يمر الإنسان بصيف تشتد فيه الضغوط، وتتزاحم المسؤوليات، ويصبح موزعًا بين أعمال لا تنتهي ومطالب لا تنتظر.
وقد كان القاضي الفاضل من أبرز مستشاري صلاح الدين الأيوبي في سنوات امتلأت بالحروب، وحمل جانبًا كبيرًا من المكاتبات وتدبير الدولة، حتى اشتهرت عن صلاح الدين كلمته: «لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم القاضي الفاضل».
فصديق الصيف لا يزيد الهجير، بل يخفف شيئًا منه.
وقد يقول قائل: وهل الصديق مطالب بأن يحتمل جميع تقلباتنا، وأن يبقى مهما فعلنا؟
بالطبع لا. فصديق الفصول الأربعة لا يلغي حدوده أو يقبل الإساءة؛ لكنه يعرف الفرق بين فصل عابر وطبع مؤذٍ، وبين صديق يمر بضيق وآخر يجعل تقلباته عبئًا دائمًا على من حوله.
ولعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان النموذج الأصفى لهذه الصداقة؛ تغيرت أحوال النبي ﷺ والدعوة من الشدة إلى الرخاء، ومن الخوف إلى الأمن، وبقي أبو بكر صديق الفصول الأربعة.
وهكذا، فصديق الفصول الأربعة لا يطلب منك أن تغيّر فصلك كي يبقى؛ بل يبقى حتى يتغيّر الفصل.



