المعلومة مسألة أمن عام | سبق
يُبرز المقال خطورة المعلومات في أوقات الأزمات، مبينًا أن تأثيرها يتجاوز الشاشات إلى تشكيل سلوك المجتمع وصناعة الفارق بين الطمأنينة والقلق، وأن التضليل قد ينشأ من اقتطاع الحقائق أو إخراجها من سياقها لا من الكذب المباشر فقط. ويؤكد أن مواجهة الشائعات تكون بالمعلومة الموثوقة والتواصل الواضح وبناء الثقة…
في أوقات الأزمات، لا تعبر الكلمات الشاشات فحسب؛ بل تعبر إلى العقول، وتستقر في النفوس، وقد تتحول إلى سلوك يصنع الفرق بين الطمأنينة والقلق، وبين الوعي والارتباك.
عندها، لا تعود المعلومة شأنًا إعلاميًا محضًا، بل تصبح مسألة أمن عام، تتجاوز مسؤولية ناقلها إلى أثرها في المجتمع.
إن خطورة المعلومة لا تكمن دائمًا في كذبها؛ فقد تكون صحيحة أُخرجت من سياقها، أو قديمة أُلبست ثوب الحدث الراهن، أو ناقصة تركت للظنون أن تستكمل ما غاب عنها.
فالتضليل لا يحتاج دائمًا إلى اختلاق الحقيقة؛ إذ يكفي أحيانًا اجتزاؤها أو تحريف سياقها لتبدو على غير معناها.
وفي زمن تتقدم فيه سرعة النشر على التحقق، قد تسبق الشائعةُ الحقيقةَ إلى الناس، وتبلغ من النفوس ما لا تبلغه الحقيقة حين تصل متأخرة.
هنا تتجلى المسؤولية؛ فليس كل ما يُعرف يُنشر، ولا كل ما يُتداول يستحق التصديق، ولا كل سبق صحفي انتصارًا للمهنية.
إن شرف الكلمة لا يُقاس بسرعة وصولها، بل بسلامة مصدرها، ودقة مضمونها، وحكمة توقيتها، وأثرها في الوعي العام.
وفي المقابل، لا تُواجَه الشائعات بالصمت وحده، ولا يُصان الوعي بترك المساحات للالتباس؛ بل بمعلومة موثوقة تصل في وقتها، وخطاب واضح يبدد الغموض، ومؤسسات تدرك أن الثقة لا تُطلب من الجمهور، وإنما تُبنى معه بالشفافية والاتساق.
أما المتلقي، فليس معذورًا من مسؤوليته؛ إذ غدا التحقق من المعلومة ضربًا من المواطنة الواعية، والتريث قبل إعادة النشر حمايةً للآخرين من ضرر قد لا يُرى، لكنه قد يتسع أثره. فزرّ المشاركة صغير، غير أن ما يطلقه قد يتجاوز صاحبه إلى مجتمع بأكمله.
إن الأوطان لا يحميها صدق المواقف وحده، بل يحميها أيضًا صدق المعلومات، ورشد الخطاب، ووعي الإنسان بما يقول وينقل.
فالأمن لا يبدأ دائمًا عند حدود المكان؛ بل قد يبدأ من معلومة يجري التثبت منها قبل نشرها، وحقيقة تُعرض في سياقها، وكلمة يدرك صاحبها أن أثرها قد يتجاوز جمهورها إلى المجتمع بأكمله.

