أخبار السعودية

خلافٌ تحت سقف الود | سبق



يطرح المقال تجربة خلاف بسيط بين صديقين تحوّل بسبب التعصب للرأي إلى صدام يُغيب الإنصات ويُبرز الأنا، فيتحول الحوار من جسر للتواصل إلى ساحة صراع. ويؤكد الكاتب أن الاختلاف ليس عداءً بل زاوية رؤية مختلفة، مستشهدًا بالآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ لتأكيد أن التنوع سنّة…

لم يكن يحتاج الأمر لأكثر من جملة عابرة ليتغير الهواء بيننا. كنا نجلس، والسكينة تلف المكان، وفجأة ارتفع ذلك الجدار غير المرئي الذي نسميه الاختلاف. في تلك اللحظة، لم يعد الصديق الذي أعرفه هو من يتحدث، بل صار كل منا يحارب ليثبت أنه يملك الحقيقة المطلقة، وكأن الحقيقة قطعة حلوى لا تقبل القسمة على اثنين.

أدركت حينها، ونحن نتبادل تلك النظرات الحائرة، أننا نرتكب الخطأ ذاته الذي يقع فيه البشر منذ الأزل: نحن لا نسمع لنفهم، بل نسمع لنرد. غاب الإنصات، فحضر الصدى المزعج للأنا، واستحالت الكلمات التي كانت جسوراً إلى خناجر من صمت.

الحقيقة المنسية هي أن من يختلف معك ليس بالضرورة عدواً يتربص بك، بل هو ببساطة مرآة ترى زاويةً أنت لا تراها. حين يرتفع صوتنا، نحن لا نقوي حجتنا، بل ندفن المعنى تحت ركام الضجيج. لكي ينجح الحوار، علينا أولاً أن نتواضع أمام فكرة أننا بشر؛ نخطئ ونصيب، وأن رؤيتنا للكون ليست سوى زاوية واحدة من لوحة عملاقة.

لقد وضع لنا الخالق دستوراً عظيماً حين قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. تأمل كلمة لتعارفوا؛ لم يقل لتصطدموا أو ليتطابق فكركم. التعارف فعلُ استكشاف، يتطلب فضولاً وشجاعة لتقبل الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون. فإذا كان الله قد منحنا هذا التنوع المذهل في الخلق، فمن نحن لنضيق بتباين الفكر؟

في نهاية المطاف، نكتشف أن جمال القصيدة لا يأتي من تكرار الحرف، بل من تناغم القوافي المختلفة، وأن البستان الذي يضم لوناً واحداً هو بستان باهت. الاختلاف ليس فجوة في جدار المحبة، بل هو النافذة التي تسمح للضوء الجديد بأن يدخل عقولنا. ولذلك عندما نجعل الحوار مكاناً للقاء وليس ساحة للمعركة، عندها فقط، ستمتلئ حياتنا بالاتزان، وسندرك أن الودّ يبقى، حتى وإن رحلت الكلمات في اتجاهات متعاكسة.



المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل