دراسة: تدريب أثناء الحمل يخفض “اكتئاب ما بعد الولادة” لدى من سبق لهنَّ الإنجاب
أظهرت تجربة عشوائية على 147 امرأة حامل مرتفعة الخطورة في كوبنهاغن أن تدريباً معرفياً عاطفياً قصير المدى أثناء الحمل، يعتمد على الحاسوب والواقع الافتراضي، قد يقلل بشكل كبير من خطر اكتئاب ما بعد الولادة لدى النساء اللواتي سبق لهن الإنجاب، مع الحاجة لتجارب أوسع لتأكيد النتائج.
كشفت دراسة علمية جديدة أن برنامج تدريب معرفي عاطفي خلال فترة الحمل قد يقلل بشكل ملحوظ من خطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، غير أن الفائدة الأكبر تعود على النساء اللواتي سبق لهن الإنجاب، إذ انخفضت نسبة الإصابة في هذه الفئة من 34.6% إلى 5.3% فحسب. وقد عُرضت هذه النتائج لأول مرة في مؤتمر الكلية الأوروبية للطب النفسي العصبي (ECNP) المنعقد في مدينة ميونيخ.
اكتئاب ما بعد الولادة.. حالة خطيرة تطال واحدة من كل سبع أمهات
يُعد اكتئاب ما بعد الولادة حالة مزاجية خطيرة تصيب نحو واحدة من كل سبع نساء عقب الوضع، وقد تترتب عليه عواقب وخيمة تطال صحة الأم ونفسيتها واستقرار الأسرة، وتمتد في أشد حالاتها إلى احتمالية الانتحار أو إيذاء الرضيع. وتختلف هذه الحالة اختلافاً جوهرياً عن «كآبة ما بعد الولادة» (baby blues) الأكثر شيوعاً، التي تتسم بتغيرات عاطفية عابرة في الأيام الأولى بعد الولادة وتزول من تلقاء نفسها.
تفاصيل التجربة
شملت الدراسة 147 امرأة حاملاً صُنّفن ضمن الفئة عالية المخاطر للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وجميعهن من منطقة كوبنهاغن. خضعت المشاركات إما لبرنامج التدريب المعرفي العاطفي أثناء الحمل المعروف اختصاراً بـ«PACT»، أو للرعاية الصحية المعتادة. وتوفرت بيانات المتابعة لـ 121 مشاركة: 54 منهن في مجموعة التدريب، و67 في مجموعة الرعاية المعتادة.
يتألف البرنامج من جلسات فردية تعتمد على الحاسوب وتقنية الواقع الافتراضي، وتمتد على مدى خمسة أسابيع. وتلقت الأمهات الحوامل خلالها تدريباً على كيفية ملاحظة الإشارات العاطفية الصادرة عن الرضع وتفسيرها والاستجابة لها، فضلاً عن التدرب على أساليب متعددة للتعامل مع المواقف الصعبة؛ بهدف إعداد الأمهات نفسياً قبل وقوع هذه المواقف لا بعدها.
نتيجة مفاجئة: الفائدة الأكبر للأمهات المتعددات
لاحظ الباحثون أنه عند النظر إلى جميع المشاركات، حققت النساء اللواتي تلقين التدريب نتائج أفضل مقارنةً بمن لم يتلقينه، إلا أن هذه النتيجة الإجمالية لم تبلغ حد الدلالة الإحصائية. بيد أن الصورة تغيرت جذرياً حين فُصلت نتائج النساء اللواتي سبق لهن الإنجاب؛ إذ عانت 5.3% فقط من هذه الفئة من اكتئاب ما بعد الولادة بعد تلقي التدريب، مقابل 34.6% بين نظيراتهن اللواتي لم يخضعن للبرنامج.
وقالت آن جول بيجتروب، مؤلفة الدراسة من مركز NEAD في كوبنهاغن: «كانت النتيجة الأبرز تتعلق بالنساء اللواتي سبق لهن الولادة، وهو أمر لم نكن نتوقعه. وأحد التفسيرات المحتملة هو أن التدخل تضمن مطالبة المشاركات بتخيل أطفالهن المستقبليين والتفاعل معهم أثناء أداء تمارين عاطفية ومعرفية؛ فالنساء اللواتي خضن تجربة الولادة سابقاً ربما امتلكن مرجعاً أكثر واقعية وملموسة لهذه المهام».
وأضافت بيجتروب: «تقودنا النتائج إلى الاعتقاد بأن اكتئاب ما بعد الولادة قد لا يرتبط فقط بمشاعر المرأة أثناء الحمل، بل أيضاً بكيفية معالجتها للمعلومات العاطفية، وأن فترة الحمل قد توفر فرصة للعلاج الوقائي قبل ولادة الطفل. كما تثير هذه النتائج احتمال أن تختلف فعالية الوقاية بين الحمل الأول والحمولات اللاحقة. نحن بحاجة إلى تجارب أوسع نطاقاً لتأكيد هذه النتيجة المرتبطة بعدد الولادات، وتحديد جوانب التدخل الأكثر أهمية، وفهم فئة النساء الأكثر استفادة منه».
وأشارت بيجتروب إلى ضرورة التريث قبل التفكير في تطبيق البرنامج على نطاق واسع، موضحةً: «لا يوجد سبب واحد للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وهذه الحالة تتأثر بشكل كبير بعوامل بيولوجية ونفسية اجتماعية. لذا، ينبغي التعامل مع هذه النتائج باعتبارها مثيرة للاهتمام، لكنها تظل مؤشرات أولية».
تعليق متخصصة أوروبية: مسار واعد يستحق المتابعة
وفي تعليقها على الدراسة، قالت الدكتورة بينيديتا فاي، الأستاذة المساعدة في الطب النفسي بجامعة «فيتا-سالوتي سان رافاييل» في إيطاليا، والعضو الأساسي في شبكة الكلية الأوروبية للطب النفسي العصبي المعنية بالطب النفسي في الفترة المحيطة بالولادة: «هذه دراسة مشجعة، إذ تشير إلى أن الحمل قد يمثل فرصة للوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة من خلال تدريب موجز يمكن أن يصل إلى شريحة واسعة من النساء. فقد بدا أن التدريب يساعد النساء على تفسير إشارات أطفالهن بشكل أكثر إيجابية، مما قد يطلق حلقة إيجابية تسهل عملية التنظيم المتبادل بين الأم والطفل منذ البداية».
وأضافت فاي: «قد يكون هذا الأمر بالغ الأهمية، لا سيما بالنسبة للنساء اللواتي لديهن طفل بالفعل؛ فبعضهن يحملن ذكريات صعبة من الحمل الأول، كما أن التناغم مع المولود الجديد في ظل وجود طفل صغير آخر ليس بالأمر السهل. لا تزال الدراسة بحاجة إلى تأكيد عبر تجارب أكبر تقيس أيضاً طبيعة العلاقة بين الأم والرضيع، لكنها تمثل مساراً واعداً».


