من طريق الحزام إلى المطلات.. أبها التي لم تصدقها عيناي
يروي رئيس مجلس إدارة صحيفة «سبق» عبدالعزيز بن إبراهيم الخريجي مشاهداته الفارقة بين أبها القديمة التي عرفها صيف 1403هـ ببساطتها وإيجارات منازلها الشعبية بـ 200 ريال يوميًا وطرقها الضيقة المزدحمة، وأبها الحديثة التي عاد إليها في صيف 1448هـ بتحولها الحضري الكبير. يبرز الكاتب تطور البنية التحتية من شق ا…
في صيف 1403هـ افترش عبدالعزيز بن إبراهيم الخريجي أرض أبها وتوسّد بطانية صغيرة على طريق الحزام، وتوضأ في مساجدها، وأكرمه أهلها كرمًا «ما زال في جيناتهم يسري». وبعد خمسة وأربعين عامًا عاد إليها هذا الصيف فلم يعرف منها إلا جوّها وبشاشة أهلها. في هذه الشهادة، يروي رئيس مجلس إدارة صحيفة «سبق» أبها القديمة بإيجار الـ200 ريال والأربع ساعات على طريق السودة، وأبها الجديدة بمطلاتها وطرقها الموازية ومطارها الدولي — ويقف طويلًا عند «المعضلة التي كان لا حيلة فيها» فوجدت لها الإمارة ألف حيلة.
من شق طرق أبها
أول زيارة قمتُ بها لأبها.. كانت في صيف عام 1403هـ.. قبل (45) عامًا هجريًا.. كانت الحياة بسيطة وقتها.. ننام في أطراف المدينة وفي الحدائق والأراضي الفضاء على طريق الحزام ليلًا.. نعكف السيارة.. ونتذرى بها من الهواء وعن عيون الناس.. نفترش الأرض.. ونلتحف بطانية صغيرة.. فإذا أصبحنا نتوجه لدورات مياه المساجد للطهارة والنظافة.. ثم ننطلق نقضي نهارنا.. نطوف الغابات.. والمتنزهات.. والحدائق.. والأسواق.. والقرى.. شاهدنا الأعراس تُقام نهارًا.. تشدنا الاستقبالات القبلية.. والرقصات الشعبية.. فإذا حلّ المساء عدنا لأبها المدينة.. نصلي في أحد المساجد.. فيتبارى رجالات عسير في المسجد بالضيافة والترحيب بهذا الغريب وأهله.. والتنافس على إكرامه.. فتُفتح القلوب قبل البيوت لنا.. كرم متوهج.. وبشاشة وترحيب.. وهو ما زال في جيناتهم يسري حتى يوم الناس هذا.. فنتسامر.. نأخذ الأخبار.. ونتبادل الثقافات.
دارت السنون.. تطور الأمر منذ عام 1408هـ فيما أذكر.. فأصبحنا نستأجر من أهالي أبها الكرام منازلهم.. يجمعون ما لا يحق لنا استخدامه في غرفة وتُقفل بالمفتاح.. ويُسلَّم لنا المنزل بما حوى من الفرش والأثاث والمطبخ المتكامل.. يغادر أهل البيت مدّة الإيجار للسكن عند أقاربهم.. أو زيارة أهليهم في أطراف أبها من القرى والمراكز.. وكان ثمن الإيجار شاملًا لجميع الخدمات لا يتجاوز (200) ريال لليوم الواحد لكامل السكن فيما أذكر.. شاملًا (وايت الماء).. وعند المغادرة تكون هناك عملية الاستلام والتسليم.. بكل أمانة.. ورجولة.. وصدق.. وحرص.. ورحابة صدر.. بشاشة عند الوداع.. يأخذ كل واحد منّا رقم هاتف الآخر (الثابت).. ليتم التواصل من أجل مسك الزبون.. وحجز السكن وتسويقه للعام أو الأعوام القادمة.. هكذا كانت وسيلة التسويق – آنذاك – وهكذا يكون الوداع قبل المغادرة.. مفعمٌ بالمودة والاحترام.
مرت سنون.. وبعد حرب الخليج الثانية.. وغزو صدام حسين للكويت.. تقاطر أهلونا – الكرام – من الكويت.. واكتظت أبها بالزوار.. فقد كان الغزو في أغسطس (آب).. وأظن من هنا بدأت فكرة بناء العمائر والشقق.. ورُتبت البساتين.. لتأجيرها على المصطافين.
في تلك الفترة تم تركيب (التلفريك).. فكان الازدحام عليه شديدًا.. وساعات الانتظار للركوب طويلة.
أمّا طرق أبها فلها حكاية أخرى.. بقيت لم تتغير.. أصبح زحام السيارات مزعجًا للأهالي والمصطافين.. جغرافية أبها عسيرة فهي بين جبال شاهقة.. وكنّا نعذر البلديات لعدم إمكانية توسعة الشوارع الرئيسية.. كنّا نقضي في طريق السودة نزولًا (4) ساعات من أجل قطع أقل من (30) كيلو بسبب الزحام عصرًا.. وضيق الطريق.. فهو مسار واحد.. وأمّا طريق الملك فهد (أبها – خميس مشيط).. فقد كانت لأواؤه عسيرة على الجميع.
مضت السنون.. زرتُ أبها هذا الصيف 1448هـ.. فلم تصدق عيناي ما تريانه.. في كل شيء.. كل شيء.. بلا استثناء شيء.. وما بقي شيء على ما هو عليه.. سوى جوها.. وكرم وبشاشة أهلها.. أمّا الحدائق والغابات والمتنزهات فبقيت أسماؤها.. أبها هي أبها.. في جوها.. وبشاشة وكرم أهلها.. طريق الحزام.. حديقة أبو خيال.. والجبل الأخضر.. ودلغان.. والقرعاء.. والسودة.. والواديين.. والحبلة.. ومطل السحاب.. إلخ.. ما أجمل وأخطر عقباتها.. نزولًا.. وصعودًا.
أمّا واقعها اليوم فشيء لا يُصدق من المشهد الحضري.. حديقة أبو خيال أصبح مدخلها وكأنك تدخل قصورًا ملكية.. نافس مدخل قصور غرناطة والحمراء في الأندلس.. وأمّا السودة فنزلت من أعلى إلى أسفل في ذروة الزحام خلال (25) دقيقة فقط.. وأمّا الخدمات.. فلا أبهى.. صُعقتُ بالمدينة العالية.. التي كانت في الزمانات.. مكانًا للمخلفات.. وبُهرتُ من تطور وكثرة الخيارات للفنادق.. والنُّزُل.. والشقق المخدومة.. والمطاعم.. والمقاهي.. والمطلات.. وهنا سأقف مع المطلات.
أمّا مطلات أبها.. فهي شيء مذهل.. ففي كل زاوية من المدينة مطل من رأس جبل تم تهذيبه واستثماره وإعداده بأفضل الخدمات.. وأمّا أنسنة المدينة.. فهي العلامة الفارقة في كل جزءٍ منها.. نظافة ظاهرة كنظافة أهل عسير.. وبين كل حديقة وحديقة حديقة.. وبين كل ممشى وممشى ممشى.. أصبح الناس، كل الناس.. أهل أبها.. والزوار.. الرجال والنساء.. الكبار والصغار.. حتى الأطفال.. يمارسون رياضة المشي بمتعة وشغف والتزام.. يشدك منظر الأسرة في كل زاوية من الحديقة.. أينما وجهت نظرك تجد الأم والأب والأولاد ذكورًا وإناثًا.. كبارًا وأطفالًا.. ملتمّين حول بعضهم.. في مشهد يطمئنك على الأسرة ويبهج الناظرين.
ومع كل هذا الإبهار والجمال والتطور في الخدمات التي تقدمها حكومتنا – وفقها الله – ممثلةً في جميع الجهات الحكومية تحت قيادة ومتابعة إمارة عسير.. بقيادة أميرها الديناميكي – حلاّل العُقد – خدمةً للمواطنين وجذبًا للمصطافين.. شيء استثنائي في الجودة والإبداع.. إلاّ أن هناك مشروعًا استثنائيًا.. فوق العادة أدهشني كثيرًا.
من شق طرق أبها..
المعضلة التي كان لا حيلة فيها.. بسبب الطبيعة الجغرافية.. والجبال العسيرة.. وجدت لها إمارة عسير والأمانة والبلديات ألف حيلة وحيلة.. فهذا طريق الملك فهد (أبها – خميس مشيط).. تم شق طريقين لا طريقًا واحدًا.. طريق الـ(100).. في طرفي المدينة من الجنوب، وآخر من شمالها يتخطى خميس مشيط.. وصولًا لطريق الرياض.. موازيَين لطريق الملك فهد.. فانتهى الزحام.. إلاّ لمن أبى.
شُقت الطرق في أطراف أبها.. حتى وأنت تسير في كل طريق منها تظن أنك في الدائري من دقة التنفيذ.. وسعة الطريق.. وجماله.. والعناية به.. بالصيانة.. والإرشادات المرورية.. والبُعد عن الزحام.
أمّا مطار أبها.. فقد أصبح مطارًا دوليًا بعد أن كان إقليميًا.. امتلأت سماء أبها بالطائرات.. بعد أن كان عدد الرحلات لا يتجاوز (20) رحلة في الأسبوع.. وكان المطار يُقفل بعد كل رحلة تقريبًا.. ويذهب موظفو المطار لبيوتهم لأخذ قسط من الراحة.. لعدم وجود طائرة مجدولة للوصول خلال الساعات القادمة.. ثم العودة للمطار مرّة أخرى.. بانتظار الرحلة القادمة.. اليوم تغير الحال.. بعد أن كان لا يصل لمطار أبها سوى طائرة من الرياض أو جدة.. وأحيانًا من الدمام.. أصبح يحط فيه اليوم عشرات الطائرات في اليوم الواحد.. من شتى المطارات الداخلية والخارجية.
أستطيع اليوم أن أقول كل شيء بهي في أبها.. ولا أبهى من أبها.. وأصبح العسير يسير في عسير.. فلا عسير في عسير.
هذه شهادة للتاريخ.. ممن عاصره.. بأن تطور أبها الاستثنائي كان تراكميًا.. منذ عهد المؤسس – رحمه الله – حتى يومنا هذا.. توالى عليه رجال وثقت بهم الدولة.. فكانوا أهلًا للثقة.. ممن تعاقب على إمارة المنطقة من الأمراء.. وأمناء للأمانة.. ورؤساء للبلديات.. وجميع المسؤولين في الأجهزة الحكومية المتعددة.. خلفهم رجال عسير أصحاب الهمم العالية.. والطموح الذي لا ينتهي.
فشكرًا من الأعماق لقيادتنا.. ولأمراء المنطقة.. وصولًا لأميرها.. الأمير المحفز بتحفزه.. لكل من يعمل تحت قيادته.. تركي بن طلال بن عبدالعزيز.. ولجميع الوزارات والهيئات الحكومية وأخص بذلك وزارة السياحة التي كان لها الأثر في ذلك.. ورجالات المنطقة.. الذين أسهموا في هذه القفزة الحضرية.. كي نستمتع نحن بهذه المرافق.. في هذه الأجواء الخلاّبة.. وما كانت هذه النعمة التي ننعم بها اليوم لولا نعمة الأمن.. التي نتقلب بها منذ تأسيس هذه الدولة.. ونعمة العافية التي أسبغها ربنا علينا.. نسأل الله أن يحفظها.. ويوزعنا شكرها.
حفظ الله بلادنا.. وولاة أمرنا.. وشعبنا من كل سوء.. وجمعنا على ما يرضيه.. وأدام علينا نعمة الأمن والعافية والعز والتمكين.. ومن عزٍ إلى عزٍ.. يا وطني.
والله ولي التوفيق،،
عبدالعزيز بن إبراهيم الخريجي
رئيس مجلس إدارة صحيفة سبق الإلكترونية
