أخبار السعودية

تغاريد تشورية | سبق



يرصد المقال تحوّل النقاش حول نظام العمل وحقوق الموظفين وواجبات المنشآت إلى سيل من الآراء على منصات التواصل، حيث يتعامل كثيرون مع النصوص النظامية من زوايا تجاربهم الخاصة وكأنها الحقيقة الكاملة. ويؤكد الكاتب أن الإشكال ليس في الوعي بالحقوق، بل في الخلط بين نص النظام وواقع التطبيق، وفي تجاهل تعقيد العل…

حين يغرد الجميع عن نظام العمل… وكلٌ يغرد على ليلاه

لم يعد الحديث عن بيئة العمل محصورًا داخل المكاتب، ولا بقيت أنظمة العمل ولوائحها حبيسة الملفات والأدراج، اليوم يكفي أن تفتح إحدى منصات التواصل الاجتماعي حتى تجد سيلًا من الآراء حول حقوق الموظف، وواجبات المنشأة، ونظام العمل، والعقود، والاستقالات، والإجازات، والخصومات، وساعات العمل، وكل ما يمكن أن يخطر على بال موظف أو صاحب عمل ، والمثير في الأمر ليس كثرة الحديث بحد ذاتها، بل الطريقة التي أصبحنا نتحدث بها؛ فكل شخص تقريبًا يبدو وكأنه يحمل معه نسخة خاصة من النظام، نسخة تبدأ غالبًا من تجربته وتنتهي عند النتيجة التي يريد الوصول إليها.

يكتب أحدهم: «المادة تقول كذا»، فيشعر القارئ أن القضية حُسمت ، ثم يأتي آخر ليقول إن المادة نفسها لا تنطبق على هذه الحالة، وثالث يضيف أن هناك لائحة تنفيذية، ورابع يستشهد بتجربته الشخصية، وخامس يؤكد أن ما يحدث «مخالف تمامًا للنظام» ، وبعد كل ذلك ينتهي النقاش غالبًا بجملة من نوع: «اعرف حقوقك ولا تسكت» ، وكأن معرفة الحق وحدها كافية لفهم كل ما يحدث في بيئة العمل.

لا أعتقد أن المشكلة في أن الموظفين أصبحوا أكثر وعيًا بحقوقهم، بل أرى أن هذا أمر إيجابي في أساسه ، ولا أعتقد كذلك أن المنشآت لا ينبغي أن تعرف حدود صلاحياتها والتزاماتها؛ فهذا جزء أساسي من الإدارة السليمة ، المشكلة تبدأ عندما نخلط بين معرفة النص وفهم الواقع، وبين الاستشهاد بالمادة وبين القدرة على تفسير الحالة التي نحاول إسقاط المادة عليها.

فالعمل ليس مادة مكتوبة على ورق فقط ، هناك عقد، وهناك علاقة مستمرة بين طرفين، وهناك سياسات وإجراءات، وهناك ظروف ووقائع وتفاصيل قد تغير فهم الحالة بالكامل ، ولذلك فإن السؤال الذي يبدأ بـ«ماذا يقول النظام؟» قد يكون سؤالًا صحيحًا، لكنه ليس دائمًا السؤال الأول أو الوحيد ، أحيانًا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث فعلًا؟ وما الذي اتفق عليه الطرفان؟ وكيف تم تطبيق الأمر؟ وما الذي كان يعرفه كل طرف؟ وهل نحن أمام حق ثابت، أم أمام مساحة من المرونة، أم أمام ممارسة تجاوزت تلك المساحة؟

لكن هذه الأسئلة لا تحظى بشعبية كبيرة في عالم التغريد؛ لأن التغريدة تحب الإجابة السريعة ، تحب أن تقول لك إنك على حق أو إنك مخطئ، وأن هناك مادة تحسم الموضوع، وأن الحل بسيط ومباشر ، أما الواقع، فهو أكثر إزعاجًا؛ لأنه يجبرنا أحيانًا على الاعتراف بأن الإجابة ليست بهذه السهولة ، خذ مثلًا موضوع المرونة في بيئة العمل ، الجميع يحب المرونة، لكننا غالبًا نحبها عندما تكون في اتجاهنا ، عندما تكون المنشأة مرنة مع الموظف في أوقات الحضور والانصراف، أو في ظروف معينة، أو في طريقة أداء العمل، نصف ذلك بالثقة والتمكين وبيئة العمل الحديثة ، لكن عندما تطلب المنشأة من الموظف قدرًا من المرونة يتناسب مع احتياج العمل، قد تتغير اللغة سريعًا، ويبدأ السؤال عن الحدود والحقوق والالتزامات.

وفي المقابل، قد يستخدم الموظف المساحة التي منحته إياها المنشأة بطريقة تتجاوز الغرض الذي منحت من أجله، ثم يرى أن ما يفعله حق مشروع لأنه لم يجد نصًا يمنعه صراحة ، وهنا لا تعود المشكلة في المرونة نفسها، وإنما في فهمنا لها ، هل المرونة حق يستخدمه كل طرف عندما يناسبه؟ أم أنها مسؤولية متبادلة تقوم على الثقة وحسن التقدير؟

والأمر ذاته ينطبق على كثير من النقاشات التي تدور حول العلاقة بين الموظف والمنشأة ، فنحن نميل إلى بناء القصة بسرعة: موظف مظلوم ومنشأة مخطئة، أو منشأة تحاول إدارة عملها وموظف يستغل النظام ، لكن الحقيقة في كثير من الحالات لا تكون بهذه النظافة. قد يكون الموظف صاحب حق، لكنه أخطأ في طريقة المطالبة به ، وقد تكون المنشأة تملك صلاحية معينة، لكنها أخطأت في طريقة استخدامها ، وقد يكون كلا الطرفين قد بدأ من موقف صحيح، ثم قاد سوء التواصل أو سوء الفهم إلى نتيجة خاطئة.

وهذا تحديدًا ما يجعلني أرى أن الحديث عن أنظمة العمل يحتاج إلى شيء يتجاوز مجرد ترديد المواد ، نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى العلاقة نفسها، لا إلى النص بمعزل عنها ، لأن الموظف عندما يقرأ النظام يراه من موقعه، والمنشأة عندما تقرأ النظام تراه من موقعها، والموارد البشرية تقف في منطقة أكثر تعقيدًا؛ فهي مطالبة بأن تفهم حقوق الموظف، وتحمي مصلحة المنشأة، وتضمن الالتزام، وفي الوقت نفسه تتعامل مع واقع بشري لا يمكن اختزاله في مادة أو بند ، وربما لهذا السبب أصبح من المثير للاهتمام أن ترى كيف يمكن للنص الواحد أن ينتج عدة روايات ، الموظف يرى فيه حماية، والمنشأة ترى فيه صلاحية، والـHR يرى فيه إجراءً يجب ضبطه، والمستشار قد يراه مسألة تحتاج إلى قراءة كاملة للوقائع قبل إصدار الحكم ، وكل واحد من هؤلاء قد يكون لديه جزء من الحقيقة، لكن المشكلة أننا نتصرف أحيانًا وكأن امتلاك جزء منها يعني امتلاكها كلها.

ومن هنا جاءت فكرة «تغاريد تشورية» ، ليست المقصود منها السخرية من النظام، ولا التقليل من أهمية حقوق الموظف، ولا الوقوف مع المنشأة ضد الموظف أو العكس ، هي أقرب إلى محاولة للتوقف قليلًا أمام هذا الكم الهائل من الآراء التي تتداول يوميًا، والنظر إليها من زاوية أخرى: ماذا يحدث عندما نأخذ التغريدة ونضعها داخل المكتب؟ ماذا يحدث عندما تتحول العبارة القصيرة «هذا حقك» إلى موقف حقيقي له تفاصيل وعلاقة سابقة وإجراءات وآثار على الطرفين؟

لأن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقول لموظف: «هذا حقك»، وبين أن تساعده على فهم كيف يمارس هذا الحق، وما الذي يترتب عليه، وما مسؤولياته المقابلة ، وهناك فرق أيضًا بين أن تقول للمنشأة: «هذا من صلاحياتك»، وبين أن تشرح لها أن امتلاك الصلاحية لا يعني أن استخدامها بلا سياق أو بلا تقدير للآثار هو دائمًا القرار الصحيح ، ربما نحن لا نعاني من نقص في المعلومات بقدر ما نعاني من فائض في التفسيرات ، كل شخص لديه قصة، وكل قصة لديها موقف، وكل موقف لديه مادة يستند إليها. الموظف يغرد من تجربته، والمنشأة تغرد من احتياجها، والـHR يغرد من موقعه بين الاثنين، والمستشار يغرد من النص، والمتابع يقرأ كل ذلك ويقارن بما حدث له في وظيفته السابقة ، وفي النهاية تتشكل لدينا قناعة غريبة بأن هناك إجابة واحدة بسيطة لكل مشكلة في بيئة العمل.

بينما الحقيقة أن بعض أكثر مشاكل العمل تعقيدًا لا تحتاج إلى مادة جديدة بقدر ما تحتاج إلى قراءة أفضل لما هو موجود أصلًا، وإلى قدرة أكبر على النظر إلى المسألة من أكثر من كرسي ، وهذا هو المكان الذي أريد أن تبدأ منه «تغاريد تشورية».

سلسلة من المقالات لا تبحث في كل مرة عن الموظف المظلوم أو المنشأة المخطئة، ولا تحاول أن تحول كل خلاف إلى معركة بين طرفين ، بل تحاول أن تتأمل تلك المساحات التي تضيع عادة بين النص والتطبيق، وبين الحق والمسؤولية، وبين ما يعتقده الموظف وما تحتاجه المنشأة، وبين ما يقوله النظام وما يحدث فعلًا في المكتب.

فقد يكون من السهل أن نغرد عن حقوق الموظف، لكن الأصعب أن نتحدث عن مسؤولياته بالقدر نفسه من الحماس ، ومن السهل أن نتحدث عن صلاحيات المنشأة، لكن الأصعب أن نتحدث عن الطريقة التي ينبغي أن تستخدم بها تلك الصلاحيات ، ومن السهل أن نقول إن الـHR يجب أن يكون عادلًا، لكن الأصعب أن نفهم كيف يكون عادلًا عندما يكون مطلوبًا منه في الوقت نفسه أن يحمي المنظمة ويدير العلاقة مع الموظف ، لهذا لن تكون «تغاريد تشورية» سلسلة إجابات جاهزة بقدر ما ستكون سلسلة أسئلة.

سنأخذ في كل مرة فكرة شائعة في بيئة العمل، ونحاول أن نخرجها من مساحة التغريدة إلى مساحة الواقع ، قد نبدأ بمادة، لكننا لن نتوقف عندها ، وقد نبدأ بتجربة موظف، لكننا لن نفترض أنها الحقيقة الكاملة ، وقد نبدأ من قرار منشأة، لكننا لن نفترض أنها على حق لمجرد أن القرار صدر منها ، سنحاول أن نرى المشهد كاملًا، حتى لو لم يكن مريحًا لأي طرف ، لأن بيئة العمل في النهاية ليست مجموعة مواد فقط، وليست مجموعة حقوق فقط، وليست مجموعة قرارات إدارية فقط ، إنها علاقة بين بشر، تحكمها أنظمة، وتؤثر فيها الثقافة، وتكشفها المواقف اليومية الصغيرة قبل الكبيرة ، وربما لهذا السبب، عندما نقرأ كل هذه التغريدات التي تتحدث عن العمل، علينا أن نتذكر أن النظام واحد، لكن زاوية النظر إليه تختلف باختلاف الكرسي الذي نجلس عليه ، الموظف يغرد من كرسيه ، والمنشأة تغرد من كرسيها ، والـHR يقف بين الكرسيين ، وكل واحد يرى جزءًا من الصورة، ثم يكتب عنها وكأنها الصورة كاملة ، وفي النهاية… كلٌ يغرد على ليلاه.



المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل