أخبار السعودية

الملاءمة الثقافية في الرسائل الاتصالية .. وزارة الحج والعمرة أنموذجًا



المقال يوضح أن نجاح الاتصال في موسم الحج لا يعتمد فقط على ترجمة الرسائل إلى لغات متعددة، بل على قدرتها على إحداث تغيير سلوكي ومعرفي لدى جماهير مختلفة ثقافيًّا. ويعرض تقرير “مؤثر الاتصالية” عن خطاب وزارة الحج والعمرة نموذجًا لاتساق الرسائل عبر ١١ لغة مع تباين زوايا التركيز تبعًا لاهتمامات كل ثقافة، م…

في العلاقات العامة، ثمة فرق جوهري بين أن تصل الرسالة، وأن تُفهم، وقد تبدو الجملتان متشابهتين لغويًا، لكنهما تمثلان مرحلتين مختلفتين تمامًا في علم الاتصال، فالوصول يتعلق بالانتشار، أما الفهم فيرتبط بالتأثير، وما بينهما تقع مسؤولية الاتصال الاستراتيجي.

في موسم الحج، لا نتحدث عن جمهور واحد، بل عن ملايين البشر القادمين من ثقافات ولغات وخلفيات معرفية مختلفة، ولهذا فإن نجاح الاتصال لا يُقاس بعدد اللغات التي تُرجمت إليها الرسائل، وإنما بقدرتها على إحداث السلوك المطلوب لدى كل جمهور.

الإصدار السابع من تقارير مؤثر الاتصالية يقدم نموذجًا مهمًا لدراسة هذا النوع من الاتصال؛ إذ حلل الخطاب الإعلامي لوزارة الحج والعمرة عبر إحدى عشرة لغة، لرصد أوجه التشابه والاختلاف في الرسائل الموجهة إلى الحجاج من مختلف أنحاء العالم، وقد خلص التقرير إلى نتيجة تستحق الوقوف عندها؛ فمعظم الرسائل احتفظت بمضمون موحد، واختلفت فقط في اللغة التي نُقلت بها، بينما ظلت الأولويات والرسائل الرئيسة متشابهة إلى حد كبير بين مختلف الجماهير.

من منظور أكاديمي، تمثل هذه النتيجة نجاحًا في تحقيق الاتساق الاتصالي (Message Consistency)، وهو أحد أهم مبادئ بناء الهوية المؤسسية، إذ يضمن أن تبقى الرسالة الرسمية ثابتة مهما تعددت القنوات أو اللغات. وقد انعكس ذلك بوضوح في تكرار الرسائل المتعلقة بالالتزام بالتصاريح، وتعزيز الأمن والسلامة، والإرشاد بالمناسك، والتوعية بالخدمات الرقمية مثل بطاقة “نسك”، وهي رسائل ظهرت بصورة متقاربة في جميع اللغات محل الدراسة.

لكن العلاقات العامة لا تتوقف عند الاتساق، بل تمتد إلى الملاءمة الثقافية (Cultural Relevance). وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل يكفي أن تكون الرسالة واحدة إذا اختلف الجمهور؟

التقرير نفسه يجيب بصورة غير مباشرة فبينما ركزت الرسائل التركية على مكافحة الحج غير النظامي وإدارة الحشود، أولت الرسائل الفارسية اهتمامًا بجودة الخدمات والرقابة على الشركات، واهتمت الرسائل الفرنسية بالإطار المؤسسي والتنظيمي، في حين ربطت الرسائل الإسبانية الحج بسياقات اجتماعية وجيوسياسية أوسع هذه الفروق تؤكد أن الجماهير لا تنظر إلى الحدث من الزاوية نفسها، حتى وإن كانت الرسالة الأساسية واحدة.

وهنا يظهر الفارق بين الاتصال متعدد اللغات والاتصال متعدد الثقافات، الأول يترجم الرسالة، أما الثاني فيعيد بناء الرسالة بما يتوافق مع طريقة تفكير الجمهور وقيمه ودوافعه ففي علم العلاقات العامة، لا يُعد نجاح الرسالة مرتبطًا بصحة المعلومات وحدها، بل بقدرتها على إحداث تغيير معرفي أو سلوكي لدى الجمهور المستهدف.

ولعل من أهم ما يلفت الانتباه في التقرير أنه يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تقدمًا في الاتصال الحكومي، لا تقوم على إنتاج نسخة واحدة مترجمة، بل على تصميم رسائل متخصصة لكل جمهور، مع الحفاظ على وحدة الهدف الاستراتيجي وهذا لا يعني تغيير الحقائق، وإنما تغيير زاوية العرض، والأمثلة، وأسلوب الإقناع، بما يحقق أثرًا أكبر دون الإخلال بالهوية المؤسسية.

إن تجربة وزارة الحج والعمرة في التواصل بإحدى عشرة لغة تمثل خطوة متقدمة في الاتصال الدولي، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن المستقبل لم يعد في تعدد اللغات بقدر ما هو في تعدد الخطابات فالجمهور اليوم لا يريد أن تُترجم إليه الرسالة فقط، بل أن يشعر بأنها صيغت من أجله.

وفي تقديري، فإن المرحلة القادمة من الاتصال المؤسسي، خصوصًا مع تطور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، ستشهد انتقالًا من مفهوم “رسالة واحدة بلغات متعددة” إلى مفهوم أكثر نضجًا هو “رسائل متعددة تنطلق من استراتيجية واحدة” وعندها فقط، لن يكون النجاح في أن يسمعك العالم بلغته، بل في أن يفهمك وفق ثقافته، ويتفاعل معك وفق واقعه، ويغيّر سلوكه لأن رسالتك لامست احتياجه الحقيقي.

وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن تقاس به كفاءة العلاقات العامة في العصر الحديث.



المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل