كيف تحولت الكفاءات الوطنية إلى ركيزة للاقتصاد الدفاعي ؟

يتجه مفهوم التوطين في المملكة نحو التركيز على نقل المعرفة وتوطين التقنية وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة الصناعات الاستراتيجية، بدلاً من الاكتفاء برصد أعداد الوظائف ونِسَب السعودة، خاصة في القطاعات التخصصية مثل الصناعات الدفاعية. ويبرز نموذج “بي إيه إي سيستمز العربية للصناعة” كأحد الأمثلة ع…
لم يعد التوطين في المملكة يُقاس بعدد الوظائف التي يشغلها السعوديون، ولا بنسبة السعودة التي تحققها الشركات، بل أصبح يُقاس بما يتركه من أثر في نقل المعرفة، وتوطين التقنية، وبناء الكفاءات القادرة على قيادة الصناعات الاستراتيجية. ومع تسارع تنفيذ مستهدفات رؤية السعودية 2030، يتشكل مفهوم جديد للتوطين؛ مفهوم يجعل الإنسان السعودي جزءًا من سلسلة القيمة، لا مجرد رقم في سوق العمل.
هذا التحول بات واضحًا في القطاعات ذات الطبيعة التخصصية، وفي مقدمتها الصناعات الدفاعية، التي كانت تعتمد تاريخيًا على الخبرات الأجنبية في كثير من أعمالها الفنية والهندسية واللوجستية. أما اليوم، فإن الرهان يتجه نحو بناء خبرات وطنية تمتلك القدرة على إدارة المنظومة بالكامل، بدءًا من التخطيط وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى التشغيل والصيانة والتطوير.
وتبرز بي إيه إي سيستمز العربية للصناعة كواحدة من النماذج التي تعكس هذا التحول. فرغم انطلاقها الرسمي في عام 2025، إلا أنها ترتكز على خبرة تراكمية تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا داخل المملكة، ما منحها قاعدة تشغيلية متقدمة استطاعت من خلالها توحيد منظومة سلاسل الإمداد، وإدارة الكفاءات، وبرامج التدريب تحت مظلة واحدة.
وتكشف الأرقام جانبًا من هذه المنظومة؛ إذ يعمل في الشركة أكثر من 5600 موظف وموظفة، بنسبة سعودة تصل إلى 85 في المائة، فيما يستفيد نحو 7000 موظف من برامج تدريبية متخصصة في مختلف مناطق المملكة. لكن هذه المؤشرات لا تمثل القصة الكاملة، فالقيمة الحقيقية تكمن فيما تصنعه هذه الكفاءات من أثر على الأرض، وفي قدرتها على إدارة أعمال عالية التعقيد كانت تعتمد في السابق على خبرات مستوردة.
وفي الصناعات الدفاعية، لا تعني سلاسل الإمداد مجرد نقل قطعة من مصنع إلى مستودع، بل إدارة منظومة دقيقة ترتبط بجاهزية المعدات واستمرارية التشغيل. فالتأخير في وصول مكوّن واحد قد ينعكس على جاهزية منظومة كاملة. ومن هنا أصبحت إدارة سلاسل الإمداد عنصرًا استراتيجيًا، يعتمد على التخطيط الرقمي، والتنبؤ بالاحتياجات، وإدارة المخزون، وسرعة الاستجابة، بما يرفع الكفاءة التشغيلية ويقلل المخاطر.
وتدير الشركة منظومات لوجستية لعدد من البرامج الدفاعية المتقدمة، من بينها التايفون والتورنادو والهوك، عبر منظومة متكاملة تبدأ من المصدر وتنتهي لدى العميل، في نموذج يستهدف تقليص زمن التوريد، وتحسين كفاءة التشغيل، وتعزيز موثوقية الخدمات اللوجستية، بما ينعكس مباشرة على جاهزية المنظومات.
ولا يقتصر الاستثمار على الجانب التشغيلي، بل يمتد إلى رأس المال البشري. فبناء الكفاءات لم يعد يبدأ عند التوظيف، وإنما قبل ذلك، من خلال تحديد الاحتياجات، والتقييم الفني والأمني، ثم التطوير المستمر باستخدام أنظمة رقمية لإدارة المهارات والأداء والتعلم. ويؤدي هذا النهج إلى تقليص فجوات المهارات، ورفع جاهزية الكوادر الوطنية، وإعدادها لتولي أدوار أكثر تخصصًا.
كما تشكل برامج التدريب المتخصص إحدى الركائز الأساسية في هذا المسار، إذ تشمل مجالات الطيران، والهندسة البحرية، وسلامة الطيران، وإدارة المشاريع، وسلاسل الإمداد، مع الاستفادة من تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي، وشراكات اعتماد محلية ودولية، بما يحول التدريب من مرحلة نظرية إلى ممارسة عملية ترتبط مباشرة ببيئة العمل.
وتنسجم هذه الجهود مع التوجه الوطني نحو رفع المحتوى المحلي، وتعزيز الاعتماد على الكفاءات السعودية في الصناعات ذات القيمة المضافة، وهو ما ينعكس على الاقتصاد الوطني من خلال بناء قاعدة صناعية أكثر مرونة، وتقليل الاعتماد على الخبرات الخارجية، وتعزيز استدامة المعرفة داخل المملكة.
ومع استمرار المملكة في الاستثمار في الصناعات العسكرية والتقنيات المتقدمة، يبدو أن معيار النجاح في التوطين لن يكون بعد اليوم عدد الوظائف التي أُنشئت، بل عدد الخبرات التي تم بناؤها، والمعارف التي انتقلت، والقدرات التي أصبحت تُدار بأيادٍ سعودية. فحين يتحول التوطين إلى صناعة للكفاءات، يصبح أثره أبعد من سوق العمل، ليصل إلى الاقتصاد، والصناعة، والأمن الوطني، وهي المعادلة التي تسعى رؤية السعودية 2030 إلى ترسيخها في مختلف القطاعات.



