أخبار العالم

كيف تحمل منزلاً يستمر في الكسر؟

اشراق العالم 24- متابعات الأخبار العالمية . نترككم مع خبر “كيف تحمل منزلاً يستمر في الكسر؟

كنت أفكر دائمًا في غزة باعتبارها المكان الذي ينطوي فيه الزمن على نفسه. عالم مغلق – كثيف، مألوف، ساحق – حيث تنمو بسرعة كبيرة أو لا تنمو على الإطلاق.

كنت الطفلة التي كانت عماتي وأبناء عمومتي الأكبر سناً وحتى أمهات أصدقائي يجرونها إلى المحادثات حول القضايا العائلية والعلاقات والمشاكل اليومية.

القصص الموصى بها

قائمة من 3 عناصرنهاية القائمة

لقد وصفني معلمي بـ “اللسان الحاد”، ليس لأنني كنت وقحة، ولكن لأنني رفضت أن أتحول إلى شخص أكثر ليونة، وأكثر هدوءًا، وأكثر قبولًا.

في بعض الأحيان، كنت أنزلق إلى اللحظات التي تذكرني بأنني طفل – مثل خياطة ملابس صغيرة لدميتي الباربي مع أبناء عمومتي.

لكن عادة، كنت أتأرجح في مكان ما بين عالم الأطفال الذين لم يفهموني تمامًا، وعالم البالغين الذين كنت أفهم محادثاتهم بطريقة أو بأخرى.

العالم يدعو

في أيام الجمعة، كانت عائلتي تقود سيارتها من حينا في السودانية عبر شارع الرشيد الساحلي إلى رفح، أي مسافة ساعة تقريبًا بالسيارة.

في أحد تلك الأيام، بدت غزة وكأنها منزل وليس قفصًا.

كنت في الثانية عشرة من عمري، وكنا نمزح أنا وإخوتي عن ذكريات قديمة – الطريقة التي اعتاد بها أخي أن يخطئ في نطق الكلمات، والكوارث الصغيرة التي أصبحت نكتة داخلية لا يفهمها أحد سوانا.

لم نتجول بعيدًا عن والديّ، نتحدث ونضحك، ثم نسير إلى الشاطئ حيث كانت رائحة السمك المتبل ونسيم البحر البارد يغلف اليوم بشيء دافئ ومألوف.

إنها ليست ذكريات عظيمة، فقط ذكرياتي.

كنت أعلم دائمًا أنني سأغادر. أتذكر اجتماعًا عائليًا عندما سُئلت كل فتاة في عمري عن المكان الذي تخطط للدراسة فيه – في غزة، كانوا يقصدون تسمية الجامعات المحلية كما لو أن السؤال ليس له أي جغرافيا أخرى.

وعندما جاء دوري قلت: “أدرس في غزة؟ سأسافر إلى الخارج. وسأكون صحفياً مثل والدي”.

بعض الناس شجعوني. ضحك آخرون. لكنني شعرت بالفعل أن العالم الخارجي ينادي.

عندما غادرت غزة عام 2019 عندما كان عمري 17 عامًا لدراسة العلاقات الدولية، كانت هذه هي المرة الأولى التي أسافر فيها بمفردي، ولأنني كنت أقل من 18 عامًا، كنت أحمل وثيقة من المحكمة تسمح لي بالسفر بمفردي.

عند معبر رفح، وقفت بين والدي وأخي الأكبر عمر، أحفظ وجوههما.

بمجرد عبوري إلى مصر، بدأت ساعات الانتظار الطويلة والتفتيش الأمني، والذعر الهادئ من عدم معرفة ما إذا كان سيتم استدعاء اسمي للمرور أم سيتم إعادتي.

مطار القاهرة، ثم إسطنبول، وأخيراً قبرص – كانت كل محطة بمثابة عتبة كان علي اجتيازها.

في كل مطار، تم سحبي جانبًا لإجراء عمليات تفتيش إضافية بسبب جواز سفري الأسود. سألني الضباط عن سبب سفري وحدي، وإلى أين أذهب، وما الذي أخطط لدراسته – أسئلة عادية بالنسبة لهم بدت وكأنها اختبارات كان علي اجتيازها لكسب حياة خارج العالم الوحيد الذي أعرفه.

أسيل زيارة على شاطئ غزة عام 2010 [Courtesy of Asil Ziara]

“أنت لست في غزة بعد الآن”

في ليلتي الأولى في قبرص، نمت بعمق أكثر من أي وقت مضى في حياتي.

عندما استيقظت على صوت عالٍ، ارتعش جسدي، كما لو كان انفجارًا. ركضت إلى الممر فقط لأجد عجلات الحقيبة تجر على الأرض.

ثم لحق عقلي بجسدي: لم تعد في غزة بعد الآن.

في ذلك الصباح، تجولت في مساكن الطلبة بحثًا عن متجر صغير. أخبرني أحدهم أنه كان في الطابق السفلي، لكنني ضللت طريقي في الممرات، محاولًا شراء محول وبعض الخبز المحمص.

بدا كل شيء غير مألوف، وخاصة الصمت.

لا شيء همهم، لا شيء يحوم، لا شيء يهدد. السكون أخافني تقريبًا.

محادثاتي الحقيقية الأولى كانت في دورة اللغة الإنجليزية الإعدادية في الجامعة. لقد كانت قاعة دراسية صغيرة تبدو وكأنها عالم صغير: زملاء الدراسة من قبرص وتركيا ولبنان والمغرب وليبيا.

تبادلنا الكلمات واللهجات، وقد أحب معلمي مدى سرعة تعلمي للمفردات الجديدة.

عندما قلت للناس إنني من فلسطين، سمع البعض كلمة “باكستان”، أو أشاروا بشكل غامض إلى خرائطهم؛ أريتهم الصور، ثم الأماكن.

في الفصول الدراسية، سأل البعض عما إذا كان لدينا “حياة بالفعل” هناك. سأل أحد الأشخاص، بكل صدق، إذا كانت غزة موجودة. لم يكن الارتباك خبيثًا. لقد كان فراغًا في مخيلة العالم حيث بيتي.

ذات مرة، في السوق، ساعدت رجلاً مسنًا في العثور على علبة حليب. وبعد أن شكرني، عرّف عن نفسه قائلاً إنه إسرائيلي. شدد صدري. أخبرته باسمي على أية حال.

حمل غزة في المنفى

خلال عامي الأول، بدأت أشعر بأن غزة بعيدة، وكأنها حلم حي استيقظت منه بسرعة كبيرة.

كل شارع تعلمته، كل طريق حافلة، كل صباح عادي أضاف طبقة من المسافة. واستمر ذلك سنوات، حتى 7 أكتوبر 2023، عندما انتهى الحلم، وانهارت المسافة.

خلال الحرب، عملت عن بعد مع والدي، وهو صحفي في غزة، في الترجمة والرصد وانتظار رسائله لمعرفة أنه لا يزال على قيد الحياة.

لقد وجدني الخوف؛ حبست نفسي في غرفة لعدة أشهر، خائفًا من النوم.

وعندما نمت أخيراً بعد أسابيع، استيقظت على خبر مقتل ابن عمي أحمد.

كان أحمد في الثلاثينيات من عمره، وكان الجميع يلقبونه بصدام لأنه ولد يوم أطلق صدام حسين صواريخ سكود على إسرائيل.

كان يناديني “يا كوشيه”، وهو لقب مثير للسخرية يعني “ذو البشرة الداكنة” – وهي نكتة سخيفة وصغيرة تبدو وكأنها حماية بطريقة أو بأخرى.

كان الشعور بالذنب تجاه موته فوريًا وغير عقلاني، كما لو أن يقظتي كان بإمكانها أن تبقيه على قيد الحياة.

لقد فقدنا المزيد من أفراد العائلة: عمي إياد وابنته الوحيدة، وعمي نائل وزوجته سلوى. لقد محت إسرائيل فرعاً كاملاً من عائلتنا في ليلة واحدة.

بدأت أفهم حجم غزة الذي حملته إلى المنفى.

امرأة شابة ترتدي قبعة وثوبًا في ملعب كرة قدم
أسيل زيارة في يوم تخرجها 12 يوليو 2023 في قبرص [Courtesy of Asil Ziara]

بدأت العلاج في قبرص: جلسات حوارية، ثم العمل الذي يركز على الصدمات بمجرد تشخيصي باضطراب ما بعد الصدمة، اضطراب ما بعد الصدمة.

أنا أكثر ثباتًا الآن، لكنني لا أعتقد أن الصدمة تنتهي تمامًا – ليس بالنسبة لسكان غزة. يتحول، يخفف، يطفو على السطح. العمل ليس “التغلب على الأمر”، بل تعلم كيفية العيش أثناء استمراره.

كثيرا ما أقول إنني ولدت في فلسطين، ولكن تشكلت في قبرص. غزة أعطتني الوعي؛ لقد أعطاني المنفى اللغة التي أفهمها.

أضافت مصر، ومن ثم عمان، طبقات جديدة لنفس السؤال الذي لم تتم الإجابة عليه: كيف تحمل منزلاً لا يزال ينكسر؟

ربما لهذا السبب، عملت وخططت خلال العامين الماضيين لإعادة بناء حياتي، للحصول على درجة الماجستير في الدبلوماسية.

أريد أن أحاول أن أفهم العالم الذي شكلت قراراته طفولتي، وهياكل السلطة التي حددت الكثير من قصتي.

عندما يسمع الناس “غزة”، غالباً ما يفكرون في “الدمار”.

إن سكان غزة مثل أي شخص آخر – باستثناء أن نضالهم يتضاعف بسبب قوى خارجة عن سيطرتهم.

قصتي هي واحدة من الملايين. لكني آمل أن يجعل هذا الأمر شخصًا ما في مكان ما يشعر أن غزة هي أكثر من مجرد عنوان رئيسي.

غزة شعب.

والناس تستحق أن تعيش.


نشكركم على قراءة خبر “كيف تحمل منزلاً يستمر في الكسر؟
” من اشراق العالم 24 ونود التنويه بأن الخبر تم اقتباسه آليًا من مصدره الأساسي والمصدر الأساسي هو المعني بصحة الخبر وما يتضمنه.
مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى