تأملات في قصة النملة التي أنذرت قومها


نملة سليمان عليه السلام , وردت قصتها في القرآن الكريم , عندما حذرت ونادت ونصحت قومها وأنذرت وعممت وأكدت وقصرت وبالغت عندما شاهدت جيش سليمان العظيم كالسيل العرمرم يمشي في الأرض.

انطلاق جيش سليمان

انطلق سليمان -عليه السلام- في العزة والجند الذي منّ الله به عليه: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)، ومعنى يوزعون، أي: منظمون ومنضبطون،  أخذ كلّ واحدٍ منهم موقعه ودوره،  فالنظام والانضباط هو من هدي الأنبياء، وجديرٌ بالناس أن لا يتذمروا من تطبيقه في حياتهم وأعمالهم ومدارسهم؛ لأنه يقوم بمصالحهم، ويحفظ حقوقهم.

فلما خرج الجيش يقوده ذلك النبي الكريم  مرّوا  على وادٍ  للنمل، و يصور القران الكريم  مشهداً عجيبا وموقفا فريدا قد وقع:  (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [النمل:18].

إنه  نداء التحذير، وصرخة النذير، صدعت به هذه النملة الناصحة، المنجدة لقومها،  وهي الصغيرة في حجمها، والضئيلة في جسمها.

 

معلومات عن النمل

النمل يمثل عشرين في المائة من الكائنات الحية على كوكب الأرض، وسُمِّيَت النملةُ نملةً من التنمُّل، وهو كثرة الحركة والعمل،  والنمل  من أكثر خلق الله  تنظيما وترتيبا، ومساكن النمل -التي أشار لها القران الكريم- تتخللها الشوارع والأنفاق، وبها مئات الغرف؛ وقد ألهم الله النمل كثيراً من مصالحه.

قال  الإمام الألوسي -رحمه الله-: “ومن تتبع أحوال النمل لا يستبعد أن تكون له نفس ناطقة؛ فإنه يدخر في الصيف ما يقتات به في الشتاء، ويشق ما يدخره من الحبوب  إلى نصفين مخافة أن يصيبه الندى فينبت، إلا الكزبرة والعدس، فإنه يقطع الواحدة إلى أربع قطع ولا يكتفي بشقها نصفين؛ لأنها تنبت إلا إذا شُقّت إلى أربعة أجزاء،  وهذا مصداقا لقوله -تعالى-: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) [الأنعام:38].

وفي السنة النبوية أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النمل أمة من الأمم تسبح لله -تعالى-، فعن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال: “إن نملة قرصت نبياً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فدُمِّرَتْ، فأوحى الله إليه معاتبا: أهلكت أمة من الأمم تسبح”.

ونهى النبي عن قتل النمل، كما جاء حديث  ابن عباس -رضي الله عنه- قال: “إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد”، والصرد:  نوع من الطيور.

فإذا كان النمل مؤذياً أو يتلف الطعام جاز قتله من باب (دفع الصائل),  إلا بالحرق؛ فانه لا يجوز، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: “لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ”.

 

تأملات في قصة النملة التي أنذرت قومها

قال تعالى في سورة النمل (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون {18}) فالنملة بدأت مخاطبة قومها مخاطبة العقلاء وجاءت بلفظ (مساكنكم) ولم تقل بيوتكم أو جحوركم لأنهم في حالة حركة والحركة عكسها السكون فاختارت لفظ المساكن من السكون حتى يسكنوا فيها ولم تقل المساكن والجحور وإنما قالت (مساكنكم) أي أن لكل نملة مسكنها الخاص الذي تعلم مكانه ولم تقل ادخلن وإنما قالت ادخلوا ، ثم أكدت بالنداء بقولها (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) حرف النداء الدال على البعد حتى يسمعوا نداءها، وقالت (سليمان وجنوده) ولم تقل “جنود سليمان” حتى ترفع العذر عن سليمان ، أيضا فلو قالت “جنود سليمان” لكان سليمان غير عالم إذا كان قاصدا أو غير قاصد وجاءت بلفظ (سليمان) بدون أي لقب له كالنبي سليمان للدلالة على أنه مشهور بدون أن يوصف، ثم حثتهم على الإسراع في التنفيذ قبل أن تنالهم المصيبة، ونسبت الفعل لسليمان (لا يحطمنكم) وفعل يحطمنكم مقصود في الآية لأنه ثبت علميا أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج والتحطيم هو أنسب الأوصاف للفعل الدال على التكسير والتهشيم والشدة. إذن ليس المهم جمع أوجه بلاغية في التعبير لكن المهم كيف التعبير عن هذه الأوجه وهذا ما يتفرد به القرآن الكريم.

الوسوم
كتابة إشراق العالم أخر تحديث في 9:44 م
19 مشاهدة