«الجـوكـر».. مَسٌّ من الجـن


لعل ما يميز فيلم «الجوكر»عن غيره، أن جميع من سيشاهده سيتذكر لقطة في حياته يمكن أن يكون قد تصادف مع مريض نفسي، ويمكن أن يكون من الذين لم يفهموه، بل اعتبروا ما يقوم به نوعًا من «الفشاحة أو الفشوش» وعدم الاحترام للمحيطين به.

في لقطة من لقطات الفيلم، يقوم «أرتور فليك» الاسم الحقيقي لجوكر، بمحاولة إضحاك طفل يركب قبله في الحافلة المهترئة التي تقلهم؛ مع العلم بأن هذا البهلوان القليل الحظ، سبق وتعرض في اليوم نفسه للإهانة ولضرب مهين في الشارع، وسبق أن سمع كلامًا قاسيًا من عند رئيسه في العمل، الذي وبخه عوض أن يسأله عن حالته الصحية بعدما تعرض للضرب، وسبق كذلك أن مر من عند المساعدة الاجتماعية التي يلتقيها كل أسبوع، والتي أكدت ضرورة متابعته لأخذ السبعة أنواع من الأدوية، وأن يكمل كتابة يومياته حتى لا يعود إلى مستشفى الأمراض العقلية.

يحاول جوكر رسم الابتسامة على وجه طفل صغير جالس مع والدته، يفلح في ذلك، يضحك الولد مرة أولى وثانية وثالثة، فتغضب الأم وتستدير لتقول له وهي تصرخ فيه وفي ابنها «أوقف هذه الحركات، لا تتكلم مع ولدي ولا تزعجني وأنت استدر ولا تتكلم مع هذا الأحمق»، يتفاجأ الجوكر أمام هذه الوضعية التي لم يكن يتصورها؛ فهو ورغم مشكلاته يحاول أن يرسم ابتسامة على وجوه الأطفال ليس إلا. وعندها تبدأ حالة «الضحك غير المتوقفة والمتزايدة»، التي تنتابه عندما يحس بالخوف أو ضيق الحال والتوتر. بطبيعة الحال، الوالدة لن تتفهم وستعتبر هذه الوضعية نوعًا من أنواع الاستهزاء «لمَ تضحك؟ هل يوجد ما يستدعي الضحك؟» ويستمر أرتور بالضحك، وكلما زاد صراخ المرأة يزداد خوفه وضحكاته.. يتذكر ويخرج ورقة ليعطيها للمرأة الغاضبة، مكتوبًا عليها «آسف، أنا أعاني من مرض نفسي، وفي حالات الخوف والتوتر، أبدأ بهذه الأزمة ولا أتوقف حتى أرتاح قليلاً، أنا آسف»،

هذه الحالات العصبية تدعى أزمة الصرع الضاحك «crisis epilepsia gelastica»، وتحدث لـ «0,2%» من حالات مرضى الصرع، وغالبًا ما تكون مقرونة بأمراض نفسية وعصبية أخرى، وكذا عند اقترانها بسرطانات موجودة على مستوى الدماغ «ورم خللي النسيج في الوِطاء «Harmatoma Hipotalamico».

هذه الأزمات تشكل ضغطًا مضاعفًا على المريض؛ لأنه إذا كان مغميًا عليه كما هو الحال في عديد من أزمات الصرع، فهو لن يشعر بما يدور حوله، ولكن إذا وقعت له هذه الأزمة وهو واعٍ، فالمشكل أمام الحاضرين الذين لا يتفهمون يكون أكبر، وبالتالي يزيد الضغط، وتزيد الأزمة في الوقت، وفِي إجهاد دماغ المريض.

هذا النوع من المرض يمكن محاصرته وتحسين ظروف عيش المريض بالمتابعة اللازمة، وبالأدوية الضرورية، وكذا بأن يتفهم المحيط أن هذه الحالات غير إرادية، ولا تعني بتاتًا أنه يقلل من احترام الآخرين، حتى ينقص الأرق وتقف الأزمة.

والحقيقة أنه يلزم التوعية بالمرض النفسي والعقلي في مجتمعنا، خصوصًا مع إحصائيات منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، التي تشير إلى أن الدول العربية تتصدر العالم في نسبة الاكتئاب «أحد الأعراض الأولية للأمراض النفسية»، خصوصًا مع تفاقم القلق واليأس بسرعة، وغياب الاستقرار فيها، والزيادة السريعة للطابع الحضري للحياة.

وربما أن ما يزيد المشكلة في بلدنا هو النظرة التاريخية التي كانت تلاحق الأمراض النفسية والعقلية باعتبارها شرًا وسيطرة من أرواح خبيثة وعملاً من أعمال الشيطان، وكان ينظر إلى المرضى بوصفهم أناسًا منبوذين، يحاولون معهم بالطرق التقليدية، فإن لم يستجيبوا يتم ربطهم في الزوايا حتى تتخلص الأسرة منهم ومن الشياطين التي تتلبسهم. والحقيقة أنه مرض كباقي الأمراض، يعالج ويؤطر ويستطيع المريض المضي قدمًا في حياته.


المصدر: جريدة الرياض

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *