
من أساليب الحوار أن لا يقف المحاور بين جملة وجملة ليلتقط أنفاسه وحسب، وإنما يختار أماكن وقفاته بفن، ويكون تنغيم صوته عند الوقف أداة تعبير بليغة، ولسنا نبالغ حين نقول أن اختيارَ مكان الوقفِ في الكلام ونوعه فنٌّ، والمؤدي الصوتي يجيب عن سؤالين أساسين ليحدد وقفاته، كيف يقف؟ وأين يقف؟ وللوقف طريقتان من حيث التنغيم، فأنت تُشْعِرُ المستمع بنغم الأداء والنبر عند الوقف إذا ما كان المعنى قد انتهى، ونسمي هذا الوقف وقفًّا تامًّا، أو تُشْعِرُهُ أن المعنى مازال مستمرًّا وسيأتي كلام متمم له عقب وقفتك، ونسمي هذا الوقف وقفًا معلّقًا.
وقفة معلقة
وإن من أشد أغلاط المؤدين الخلط بين النوعين، فيقفون وقفات تامة في مواضع الوقفات المعلقة، ويَشْعُرُ المستمع أن الكلام قد انتهى، لكنه يُفاجأ باستمرار المعنى، إن هذا يُفسد المعاني، وإن الأسماع تنفر منه، أو يقوم المؤدي بالعكس فيقف وقفة معلّقة في موضع الوقفة التامة، ويُدْهَشُ المستمع إذ يأتي الكلامُ بدايةَ معنى جديد وهو منتظر إتمام ما سمع، واسمع معي المثال الآتي، قول: – ذهب أحمد إلى المدرسة/ والتقى الأصدقاء/ ثم عاد إلى بيته سعيدًا| فلا بد أن يُشْعِرَ نغم الأداء عند الوقف على لفظ المدرسة ولفظ الأصدقاء أن الجملة التالية ستأتي في نفس السياق، وفي الختام تقف وقفة تامة تبين انتهاء المعنى، ولو جربنا أن نقف وقفات تامة في كل المواضع لنفرت الآذان من ذلك الأداء، ذهب أحمد إلى المدرسة| والتقى الأصدقاء| ثم عاد إلى بيته سعيدًا|، فالصحيح كما ذكرنا أن تكون الوقفتان الأولى والثانية وقفتين معلقتين فنقول: ذهب أحمد إلى المدرسة/ والتقى الأصدقاء/ ثم عاد إلى بيته سعيدًا أما مكان الوقف فاختياره هو الفن، والقاعدة الأساسة لانتقاء مكان الوقف أن تقف على معنى مكتمل، فلا تقف في موضع يُفسد المعنى، ولنا في كتاب الله خير مثال في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ “[1]، إن الوقف ممنوع عند كلمة الصلاة بأي نوعٍ كان، لأن الوقف هنا يوحي بالأمر بترك الصلاة، ونضرب مثلًا آخر بقول الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي[2]: أقبلتُ للنِّيلِ المُباركِ شاكيًا زَمَنِي وَقدْ كَثُرَت عَليَّ هُمُومي ولا أدري لماذا يذهب كثيرٌ من المؤدين إلى الوقف على كل شطر، فيقفون عند كلمة (شاكيًا)، ويبدؤون بعدها بلفظ (زمني)، إن المعنى لم يكتمل عند لفظ (شاكيًا)، والصحيح أن نقف وقفة معلقة بعد لفظ (زمني)، لأن الشاعر ليس شاكيًا وحسب إنما هو يشكو زمنَه بالتحديد والتخصيص أقبلتُ للنِّيلِ المُباركِ شاكيًا زَمَنِي/ وَقدْ كَثُرَت عَليَّ هُمُومي| وقد سمعت العجب من القارئ الطبيب د.أحمد نعينع وهو يتلو الآيتين الثانية والأربعين والثالثة والأربعين من سورة مريم التي تعرض حديث خليل الله إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- مع أبيه، يقول تعالى: ” إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) “ ولم يقف القارئ الطبيب على ختام الآية عند كلمة (شيئًا)، وإنما واصل التلاوة إلى النداء في بداية الآية التالية: ” إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ/ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)” فتبيَّن للسامع من اختيار موضع الوقف البارع أن هناك توسّلًا وإلحاحًا، كأن تقول معاتبًا: “يا أحمدُ التزمْ بموعدِكَ يا أحمد”، فوالله ما أبرع هذا الوقف، وما أبلغ معناه، وما أحوج المؤدي إلى إدراك المعاني والمشاعر التي تختبئ بين طيات الجمل ليعرف أين يقف؟ وكيف يقف؟
اكتشاف المزيد من إشراق العالم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.